قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، نشرنا في هذه الصحيفة مقالا تحت عنوان: تنبؤ بتراجع القوة والنفوذ في عهد أوباما، وانطلقنا في ذلك الحديث كما ننطلق الآن من مسلمات وبدهيات تحكم سيرورة صعود الإمبراطوريات وهبوطها في التاريخ الإنساني، خلاصتها أنه كلما تضاعفت مسؤوليات ومهمات الدول الكبرى، وتوسعت في مشاريع الهيمنة، كلما تضاعف طموحها في المزيد من التمدد. ولأن لكل بداية نهاية، وبالمأثور الصوفي، ليس بعد الاكتمال سوى النقصان، فإن الولايات المتحدة، شأنها شأن كل الإمبراطوريات مآلها إلى الانكماش. وذلك هو أحد القوانين العلمية التي تؤكدها نظرية الدورة التاريخية.
ولعل أحداث 11 سبتمبر تمثل حالة الانعطاف في الخط البياني، لنفوذ القوة الأمريكي، الذي برز بقوة بعد الحرب العالمية الثانية، وظل هذا الخط في صعود حتى لحظة كارثة سبتمبر2001، وبعدها بدء الخط البياني اتجاهه إلى الأسفل. وما على المرء سوى تصور حجم الأموال التي تدفقت في حربي أفغانستان والعراق، وعمليات الاستنزاف التي تبعت الحربين، ليدرك مدى خسائر الخزينة الأميركية، ولتتكون له صورة أوضح عن الأزمة الاقتصادية الحادة التي مر بها العالم، بعد ما أصبح معروفا بأزمة الرهن العقاري.
استعنا في تحليلنا بتقارير اقتصادية عالمية، وتقارير نشرتها معاهد استراتيجية أميركية، كشفت بوضوح عن تراجع قدرة الولايات المتحدة على السير ببرنامجها الإمبراطوري. وكان الأبرز في هذه التقارير، تقدير حكومي، نوهت عنه محطة ال"C.N.N"، توقع ما توصلنا له من حتمية تراجع لنفوذ وقوة أميركا، راسما صورة قاتمة لمستقبل أميركي غير مستقر في العلاقات الدولية، مؤكدا أن العالم سيشهد انقسامات واسعة في المواقف السياسية، وتصاعداً في الصراع على الموارد الطبيعية.
وخلال الفترة المنصرمة، تأكد بما لا يقبل الجدل، أن الأعباء التي تتحملها الخزينة الأميركية، هي أكثر بكثير من قدرتها. وكانت إدارة الرئيس أوباما تواجه هذا العجز باستمرار، بمزيد من الاقتراض، من دول عدة في مقدمتها الصين الشعبية.
إن ما يهم في هذه القراءة، ليس مناقشة تراجع القوة والنفوذ الأميركيين، ولكن تداعيات ذلك التراجع، المباشرة وغير المباشرة على الخارطة السياسية الكونية، وعلى طبيعة التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية بين الدول، ومن ضمنها بلداننا العربية. وفي هذا السياق، نلحظ مجموعة من الحقائق:
أولى هذه الحقائق، أن الإدارة الأميركية منذ عهد الرئيس دوايت أيزنهاور في الخمسينات من القرن المنصرم، اعتمدت سياسة الباب المفتوح. وهي سياسة أريد بها كسر احتكار الاستعمار التقليدي، وتحديدا البريطاني والفرنسي للهيمنة على المناطق والمعابر الاستراتيجية العالمية. وجرى تبنى منطق الإزاحة بوضوح، بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م. وخلال فترة الحرب الباردة، حظيت أوروبا الغربية بحماية المظلة النووية الأميركية، مقابل تفرد الأميركيين بصناعة القرار في العالم الرأسمالي.
كان أحد معالم الحرب الباردة سيطرة الأميركيين والسوفييت على صناعة القرارالدولي، ووجود أوروبا بشطريها الغربي والشرقي، كستلايت تابع للقوتين العظميين. وكان وجود قوتين عظميين عالميا ترصينا في العلاقات الدولية، رغم أن تلك الفترة لم تخل من حروب عقائدية واقتصادية وسياسية، كان أشرسها الحرب الكورية، والانقلابات العسكرية في أميركا اللاتينية والحرب في الهند الصينية والصراع العربي- الإسرائيلي.
انتهت الحرب الباردة، بسقوط جدار برلين، ليتبعه تفتت المعسكر الاشتراكي، وبروز ما يطلق عليه الإعلام الأميركي، بربيع أوروبا الشرقية. وقد تزامن ذلك مع تصاعد النعرات القومية وطغيان مطالب الانفصال في عدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا السابقة، وانهيارالإمبراطورية السوفييتية.
وكان الملمح الأهم في معظم هذه التحولات، أنها تمت بطرق سلمية، باستثناء الحروب التي شهدها اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية. وكان الانهيار المدوي للاتحاد السوفييتي، دون إطلاق رصاصة واحدة حدثا فريدا في تاريخ سقوط الإمبراطوريات. فلم يكن أكثر المتشائمين أو المتفائلين يتوقع أن تسقط القوة العظمى المعروفة بامتلاكها لأكبر قوة نووية تدميرية في العالم، بهذه السهولة.
المعنى الأعمق، لهذا التحول التاريخي، الذي شهدته الخارطة الكونية قبل ثلاثة عقود، أنه ليس من شرط التحولات التاريخية الكبرى، اشتعال حروب دموية تنتج عنها هزيمة طرف وصعود آخر. وأن بإمكان الكفاح السلمي أن يحقق أهدافا عظيمة دون اللجوء إلى العنف. وكان صمود التجربة الأوروبية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة طيلة العقود الثلاثة المنصرمة تأكيدا عمليا وواقعيا على صحة هذه الفرضية. وفي كل هذه التحولات كان الاقتصاد هو العامل المتفرد بصنع التاريخ.
ولربما يعاود التاريخ خطاه بطريقة "جدلية" في الحالة الأميركية، فتكون الأزمة الاقتصادية الأميركية، قشة انهيارالإمبراطورية الأميركية، كما حدث بالنسبة لغمبراطورية الكرملين.
لن يكون بوسعنا في هذا الحديث الاستغراق طويلا في التفاصيل، وسيكون علينا أن نواصل المناقشة في أحاديث قادمة، لكن بالإمكان في هذه العجالة أن نلحظ جملة من الأمور التي تؤكد على تراجع النفوذ السياسي والعسكري لأميركا، لصالح الشراكة الأوروبية، وتعبيرا عن الصعود الاقتصادي الصيني، وعودة الحياة للدب القطبي.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، منذ سقوط حائط برلين، احتكرت الإدارة الأميركية، الهيمنة على صناعة القرارات في مجلس الأمن الدولي، ومارست وحدها حق استخدام الفيتو، ولم يتجرأ أي عضو من الأعضاء الدائمين بالمجلس على استخدام هذا الحق، منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي، إلى عام 2003م، حين هددت فرنسا باستخدام هذا الحق، في حال محاولة إدارة الرئيس بوش استصدار قرار يجيز لها احتلال العراق. يلاحظ في العقود الثلاثة أن معظم قرارات النقض التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية، كانت لإسناد مشاريع العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني.
هذا الأمر لم يعد قائما الآن، فالصين تلوح باستخدام هذا الحق ويشاركها الروس في ذلك. والأمر ببساطة بالنسبة لكافة الأطراف ليس له علاقة بحماية حقوق الإنسان كما تزعم الإدارة الأميركية وحلفاؤها ولا بالدفاع عن سيادة سوريا كما يطرح الصينيون والروس، ولكنه صراع من أجل الحفاظ على مناطق النفوذ، وهو صراع يستمد شرعيته ليس من مبادئ الأمم المتحدة وقوانين العدل ولكن من صراع الإرادات وتوازنات القوة. وذلك ما يتطلب منا وقفة أخرى للمزيد من التأصيل والتحليل.