في حفل تخريج الدفعة الرابعة من طلاب برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي قبل أشهر من الآن، وبينما كان السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير يتنقل بين أجنحة المعرض المصاحب بجوار وزير التعليم العالي، كنت أصغي لتعليقات الطلاب والطالبات المنتشرين في أرجاء المعرض، الكثير منهم كلما شاهد السفير السعودي تذكر أن له قصة أو موقفا معه أو لقاء جمعه بالسفير في أمر ما، كانوا يتحدثون عن رجل قريب منهم للغاية، بل سرد بعضهم قصصا وأحداثا مرت به، وجد السفير يوجه بالاهتمام بها ومتابعتها والعمل على حلها. وهو ما جعله يحظى بمكانة كبرى في نفوس أولئك السعوديين المرابطين في الجامعات العالمية للعودة إلى الوطن بملامح سعودية تستوعب العالم وتستطيع التفاعل معه. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومع توليه منصب مستشار في الديوان الملكي، كان عادل الجبير الوجه الأبرز في مختلف القنوات والوسائل الإعلامية الأميركية، استطاع أن يقدم ذلك الشاب النحيل نموذجا لافتا للإعلام الأميركي للغاية، فهو لا ينطلق في أحاديثه من توزيع الاتهامات على الغير، ولا ينخرط في حالات الصراخ الرخيص كما يفعل كثير من المسئولين العرب في وسائل الإعلام العالمية، وإنما استطاع بلغته ومنطقه السياسي الواعي أن يخلق منطقة بين الصواب السياسي والتأثير الإعلامي، وظل الجبير الرقم الأصعب في مختلف وسائل الإعلام الأميركية. في الحادي والعشرين من ديسمبر العام 2006 كتبت صحيفة الواشنطن بوست خبر عن نية السعودية تعيين عادل الجبير سفيرا لها في الولايات المتحدة الأميركية، وتذكرت واشنطن ذلك الشاب الذي عرفت إطلالته لأول مرة في التسعينات أثناء حرب الخليج حين ظهر كمتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن، ووجدت مختلف وسائل الإعلام الأميركية أنها أمام كادر دبلوماسي مؤثر للغاية، انطلق حضوره السياسي في فترة السفير السعودي الأبرز في واشنطن الأمير بندر بن سلطان الرجل الذي لن تنساه الدبلوماسية الأميركية، وأن هذا القادم الجديد لطالما أطل بملامحه الهادئة عبر مختلف وسائل الإعلام الأميركية، وقاد دبلوماسية إعلامية مبكرة جعلت منه صوتا سعوديا واعيا للغاية على مختلف المنابر الإعلامية الأميركية.

في أوائل عام 2007 وصل عادل الجبير إلى الولايات المتحدة الأميركية سفيرا للسعودية، وهو الرجل الذي قاد أهم حملة لتخليص صورة السعودية مما لحق بها في الإعلام الأميركي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مما يعني أن الأميركان يعرفون جيدا هذا الوجه السعودي العالمي. ومنذ وصوله إلى واشنطن استأنف الجبير حضوره وقدراته السياسية والإعلامية في واحدة من أعقد الفترات على مختلف الأصعدة. ظلت علاقة السعودية بالولايات المتحدة شاهدا حقيقيا على وعي ونجاح الدبلوماسية السعودية، وهو ما أثار مختلف القوى التي وجدت أن هذا التحالف الاستراتيجي والمتكافئ يمثل إضعافا لخططها ومنطلقاتها العقائدية، كانت إيران الدولة الأكثر تضررا من النجاحات السياسية العالمية للمملكة، ومن القوة السياسية للمملكة التي تستطيع أن تؤثر في مختلف المعادلات في المنطقة باتجاه خنق السياسات الإيرانية الساعية لتصدير الفوضى، وفكرة دولة المذهب على حساب دولة الدولة، ومع الانتكاس الذي منيت به السياسة الإيرانية حين أعيد انتخاب أحمدي نجاد، ومع حالات القمع الشديدة التي تعرضت لها الجماهير الإيرانية في الشارع اتجهت إيران لممارسة لعبتها القديمة الرامية إلى تصدير الفوضى، ووجدت في الكيان السعودي أكبر مثبط لأحلامها العقائدية المتطرفة، وما ذلك سوى جزء من توتر العلاقة بين إيران والعالم بأكمله. إذن.. كيف يمكن لإيران أن تخلط أوراق هذا الحلف القوي بين قوتين عالميتين هما المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، وهي ترى فيه الرادع الأكبر لطموحاتها التي باتت تنتهي عند حدود أقدامها؟ جاءت فكرة التخطيط لاغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، أولا لأنه يمثل رمزية في غاية الأهمية، إذ تعكس الروح الشابة للسياسة السعودية القادرة على استيعاب مختلف الظروف والتحولات، والخروج منها رابحة بامتياز، وثانيا لإشعال دائرة من الخلاف والعداء بين الحليفين التاريخيين، الرياض وواشنطن. أصيبت دوائر الأمن الأميركية بحالة من الدهشة والاشمئزاز وهي تعلن إحباط تلك المحاولة، وتحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية بغضب واضح، ذلك أن طهران وصلت إلى ما يمكن تسميته بالانتحار السياسي. ظلت الماكينة السياسية السعودية في أميركا تدفع باتجاه تخليص منطقة الشرق الأوسط من محاولات الهيمنة الإيرانية، ورأت إيران في القضية الفلسطينية عامل دعاية إيجابيا يمكن أن يسوق لها في الشارع العربي، الذي ما لبث أن اكتشف بطلان تلك الدعاية وخواءها، وحتى في مناخ الثورات العربية لم تجد إيران موطئا لها، خاصة أنها أولى العواصم في العالم الإسلامي التي قامت بقمع أبنائها، أدرك الإيرانيون أن زعزعة التحالفات التي تحد من نشاطها هي الفرصة الأخيرة لها، ولم يكن أكثر إيلاما للسياسة الإيرانية من تلك الأدوار الواعية والذكية التي يقوم بها مهندس السياسة السعودية في واشنطن عادل الجبير. كان الرد الإيراني متوقعا للغاية، وهو اتهام القصة بأنها مفبركة ومحاولة أميركية لتشتيت الانتباه عن أزمات أميركا الداخلية، بينما تؤكد مختلف التفاصيل والأسماء ـ التي لا يتطرق إليها الإيرانيون في ردودهم السطحية ـ أن عملية إحباط المؤامرة مثلت ضربة كبرى للواقع السياسي الإيراني.

هكذا يخفق عجزة السياسة الذين يمثلهم نجاد وخطبه البغيضة المملة، بينما يصعد نجم شباب السياسة الواعية المتمدنة التي يمثلها عادل الجبير، وهو السؤال الذي لا يمكن أن تواجهه طهران التي باتت بحاجة إلى ثورة على طريقة الثورة الليبية على أقل تقدير.