الشباب في بلادنا لا يمثلون (موضوعاً) يتم تداوله، بقدر ما يمثلون (قضية) تتصدر اهتمامات الرأي العام الاجتماعي والمؤسسات الرسمية على حد سواء، لما للشباب من أهمية في البناء الوطني من جهة وخطورة الانحراف من جهة أخرى. وفي المدينة المنورة، وفي الجامعة الإسلامية تحديداً، حضرت هموم الشباب ومتطلباتهم من خلال المحاضرة التي ألقاها الأمير نواف بن فيصل بن فهد الرئيس العام لرعاية الشباب، وحظيت بحضور عينة من مختلف شرائح المجتمع، وإن كان الحضور الشبابي لافتاً، إلا أن التفاعل الإعلامي كان لافتاً هو الآخر، حيث تحدث الأمير نواف عن نقاط كثيرة ومختلفة تهم الشباب ليس على المستوى الرياضي وإنما على المستويين الثقافي والاجتماعي، وبما أنه من فئة الشباب فقد أكد أنه سعيد بالتواصل مع الشباب من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وأنه يجد طرح الشباب بين اليأس والتعجّل، مذكراً بتاريخ هذه البلاد، حيث كانت في زمن لا يتصور الإنسان كيف ستحصل فيه هذه النهضة، وفي كلمته أكد معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور محمد علي العقلا أن التحصيل العلمي لا يكفي الشاب للقيام بوظيفة الحياة ما لم يعرف الحياة نفسها، فالشباب ليس فقط قدرة جسد، وإنما هو توثب روح وصلاح فكر وطفرة أمل وصلابة عزيمة، كما أن فترة الشباب هي أحفل أطوار العمر بالمشاعر، والعواطف، وأنها عهد الصحة المكتملة في البدن السليم، وعهد النزعات النفسية الجياشة، يمدها الخيال الخصب والرجاء البعيد.
إن مثل هذه الطروحات المهمة التي تدل على وعي بالشباب كقضية، وتدخلنا في خضم التفكير فيهم حاضراً ومستقبلاً، ومع أن المحاضرة قد خرجت برؤى جيدة تجاه قضايا الشباب إلا أن محاضرة واحدة هي بالتأكيد لن تكفي، ولا سيما أننا أمام تحدٍ كبير فيما يتعلق بالمشكلات الخاصة بالقضية قبل طرح الحلول المقترحة.
وحين نتحدث بشفافية، فإننا نجد في داخل الشاب وجهين لعملة واحدة، أو بالأحرى تفكيرهم يتجه إلى طريقين إما النور أو الظلام، واختيار أحدهما لا يكون إلا لوجود بيئة حاضنة لأحدهما، ولهذا فإن المسؤولية في رعاية الشباب لا تقع على وزارة، ولا فئة، ولا طائفة معينة من المجتمع، بل هي مسؤولية متكاملة لدى المجتمع كله، تمتد بدءا من الأسرة وتمر بمؤسسات الدولة المختلفة وتنتهي بالثقافة التي تعتبر المكون الرئيس لتفاصيل المجتمع، لكن إذا أردنا البحث عن حلول فمن باب أولى تشخيص المشكلات أولاً، قبل البحث عن حلول لها، ومن ثم تتوزع الجهود على الأفراد والجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني التي هي العنصر الأساس لتطور أي مجتمع، لأن هذه المؤسسات مساحة ممتدة تحتوي المجتمع ككل وتمكن الشباب على وجه الخصوص من تفريغ طاقاتهم بما يعود على الوطن بالخير. ولا سيما أن نسبة الشباب عالية بين السكان ولكي لا يصاب شبابنا بالاحتقان الذي يسمى عادة بالفراغ، لكنه ليس فراغا بقدر ما هو (تفريغ) يؤدي إلى الفوضى من خلال ممارسة أعمال خطرة عليهم وعلى مجتمعهم، وهناك أمر آخر أيضاً هو البطالة من جانبها الاقتصادي والاجتماعي، خاصة أن بناء المستقبل يحتم الإسراع والتخطيط للتنمية دون إغفال الجانب المهم فيها وهو: الشباب.
وأن تشمل الخطط كافة الجهات كالإعلام والتعليم والصحة، مع إفساح المجال للشاب أن يعبر عن ذاته، فمن الأولى أن يستمع لهمومه قبل غيره في ظل الكبت الاجتماعي، والشباب لديهم سلاح خطير إذا ما أخطأنا في توجيهه الوجهة الصحيحة وهو الحماس والقدرة على التفاعل السريع قد يعبرون عنه بطريقة عنيفة، وبالتالي فإن مرحلتي المراهقة والشباب تجعلنا نهتم من أجل تخفيف الضغط الاجتماعي على كل شاب.
وخاصة أن كل شباب اليوم تفاعلوا مع العالم من حولهم عبر التطورات التقنية والعلمية ولم تعد هناك فجوة بينهم وبين العالم الخارجي، فلا يمكن في نهاية المطاف إجبارهم على أن يكونوا أعضاء صالحين في المجتمع، ولكن يمكن إقناعهم وتوجيههم وإرشادهم إلى الطريق المستقيم للوصول إلى العالم ـ وهو بناء المجتمع ـ بطرق غير مباشرة، أهمها إتاحة الفرص لهم للعمل الجاد والمنتج، ومن ثم الاستماع لهم ولمشاكلهم، وهذان الأمران رغم أهميتهما إلا أنهما ليسا كافيين لتوجيههم وإصلاح أمرهم بشكل مطلق.
والعجيب أن بعض الشباب السعوديين بدؤوا بالتعبير عن ذواتهم، وبطريقة راقية وأوصلوا رسالتهم بوسيلة بسيطة، من خلال الفيلم السعودي الذي اشتهر مؤخراً (منوبولي)، وهناك مظهر مهم من مظاهر التعبير عن الذات، ربما يبدو لنا سلوكاً خاطئاً لكنه أداة تعبير تعكس مدى ما يجول في فكر الشباب، وأعني بذلك الكتابة على الجدران. التي كانت شائعة خلال سنوات طويلة مضت، وربما أن الكتابة على جدار مبنى قد استبدلت بالكتابة على جداري الفيسبوك وتويتر، ومن خلالهما نستشف مدى الطموح والآمال أو مدى اليأس والإحباط أيضاً.