عاش الأميركي دان كيرني نحو 24 شهرا عصيبة بعد تخرجه من جامعة ويتشيتا الحكومية بولاية كانسس. كان يتطلع إلى دخول عالم التجارة، لكنه لم يستطع. لم يكن يملك فكرة ولا مالا. كل ما يملك رغبة في خوض تجربة الأعمال الحرة. في عام 1958 هطلت عليه فكرة افتتاح مطعم بيتزا نظرا لندرتها في أميركا آنذاك، لكن بقيت مشكلة التمويل. عرض وشقيقه الأصغر فرانك الفكرة على أمهما. أعارتهما 500 دولار على الفور. هذا المبلغ الصغير كان كفيلا بافتتاح مطعم (بيتزا هت) في ويتشيتا. افتتح الأخوان بعد نحو 5 أشهر فرعا ثانيا للمطعم. لم تمر 3 سنوات على افتتاح أول فرع حتى انتشر سريعا في المدن والولايات القـريبة والبعـيدة، حتى بات داني وفرانك يفتتحان فرعا جديدا لمطعـمها بمعدل كل يوم. في عام 1972 بلـغ عدد فروع (بيتزا هت) ألف فرع في أميركا. اليوم لدى (بيتزا هت) ما يربو عـلى 13 ألف فرع حول العالم.

نجاح (بيتزا هت) الكبير الذي جعلها إحدى أكبر العلامات التجارية في العالم حاليا يعود إلى الخمسمئة دولار التي قدمتها والدة المؤسسين. لو لم تدعمهما والدتهما ربما لم يكن هناك ما يسمى حاليا بـ(بيتزا هت). كانت خمسمئة نعم، لكنها من أمهما، فتضاعفت ملايين المرات. الأم هي الأم في كانساس أو البحرين، في الرياض أو أم القوين. رعايتها وحنانها يجعلان الأشياء الصغيرة كبيرة. في كنفها تكبر الآمال وتصغر الآلام.

في بلدة هيرتسوجيناوراخ بألمانيا قصة عظيمة أخرى، بطلتها أم لن ينساها التاريخ. هذه الأم تبرعت بغرفة غسيلها لابنيها أدي داسلر، ورودي داسلر اللذين لا يملكان ـ وقتئذ ـ مالا لتأجير محل لصناعة وبيع الأحذية. افتتحا الأخوين في عام 1924 متجرهما الخاص في غرفة غسيل أمهما المتواضعة المتاخمة لمطبخها. لقي المحل إقبالا جيدا، لكن توجهات الشقيقين السياسية المختلفة حالت دون استمرار شراكتهما. انفصلا رسميا عام 1947. افتتح أدي داسلر متجر(أديداس)، المشتق من اسمه الأول وجزء من اسم العائلة. في المقابل، افتتح شقيقه متجر باسم (بوما). والآن (أديداس) و(بوما) تعدان من أهم العلامات التجارية في العالم في بيع المستلزمات الرياضية. رغم اختلاف الشقيقين إلا أنهما متفقان تماما أن سبب نجاحهما يعود لأمهما.

كانا يافعين آنذاك ولا يملكان أي خيار للحصول على مكان يصنعان ويبيعان فيه منتجاتهما إلا عبر أمهما، فببساطة لو لم تمنحهما أمهما غرفة الغسيل الصغيرة تلك لما امتلأت غرف الملايين حول العالم بهذه المنتجات عالية الجودة. علينا أن نتذكر أمهما كلما لمحنا العلامتين التجاريتين البديعتين مطبوعتين على حذاء أو حقيبة أو قميص، فقد كانت خلف هذا الانتشار والنجاح الهائل.

الأم لا تمنح أبناءها النجاح بنقودها أو عبر ممتلكاتها فحسب، بل حتى عبر كلماتها. المنتج والكاتب الأميركي مارك تشيري، كان يعيش في عام 2002 أزمة نفسية كبيرة، نظرا لعدم قدرته على كتابة نص جديد يعود به إلى عالم الإنتاج.

لكن خلال زيارته لوالدته، ألهمته للقيام بكتابة عمل يتناول حياة ربات البيوت في الطبقة المتوسطة، والتي لم يسبق أن تم تجسيدها على الشاشة بتفصيل. شرع تشيري في تحويل العمل من مخيلته إلى الورق فور أن انصرف من منزل أمه. سماه (ربات بيوت بائسات). اليوم يحتفل هذا المسلسل بموسمه الثامن والأخير. وصل عدد مشاهدي الحلقة الواحدة منه في عام 2010 إلى نحو 51 مليون مشاهد، بينما بلغت إيرادات كل نصف ساعة بث له نحو ثلاثة ملايين دولار أميركي. أجزم بأن تشيري لو لم يزر أمه في تلك الليلة لظل بائسا ويائسا حتى اللحظة.

زوروا أمهاتكم. لن تعودوا منهن خائبين. إذا لم تظفروا بدعواتهن ودعمهن وتشجيعهن؛ فعلى الأقل ستظفرون بابتساماتهن. أمك.. أقصر طريق للسعادة.