في حديث أبوي ووطني مع "أبو عبدالرحمن" ـ أب لسبعة أطفال، وموظف حكومي في مرتبة عادية، وخدمة أكثر من (25) سنة، وراتب في حدود (8) آلاف ومستأجر لدور في حي شعبي ـ حول ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أشار إلى معاناته المتزايدة وقلة حيلته وعجزه عن الوفاء بمستلزمات ومتطلبات الحياة اليومية، وطلبات أولاده المدرسية والمعيشية المتزايدة. فحسب كلام أبو عبدالرحمن، أصبح لا يعتمد فقط على المرتب الشهري لمقابلة مصاريفه اليومية، بل إنه اضطر إلى الاعتماد على مدخراته السابقة التي كانت محجوزة لتأمين وامتلاك سكن وتأمين مصاريف الدراسة ومعيشة كريمة لأولاده.

أبو عبدالرحمن ليس الوحيد الذي يعاني من ارتفاع الأسعار، وليس الوحيد الذي يستدين أو يستخدم مدخرات المستقبل لمقابلة مصاريفه اليومية، وليس الوحيد الذي يشتكي أولاده من المستوى المنخفض لمستواهم المعيشي، وليس الوحيد الذي يعيش في مبنى مستأجر طيلة عمره وعمر أولاده، وليس الوحيد الذي وصل إلى حد موت حلمه في تملك سكن، وليس الوحيد الذي لم يغير سيارته منذ أكثر من (15) سنة، وليس الوحيد الذي لا يستطيع أن يأخذ أولاده للسياحة حول العالم أو حتى داخل المملكة في الإجازات الصيفية، وليس الوحيد الذي اضطر للتنازل عن التفكير والتخطيط لمستقبله ومستقبل أولاده، وليس الوحيد الذي لا هم له ولا شغل طوال يومه إلا كيفية توفير متطلبات أفراد أسرته، وليس الوحيد الذي يعاني من الإرهاق والأمراض المستعصية – الضغط والسكر – نتيجة للقلق والضغط النفسي الذي يعيشه على مدار الساعة، وليس الوحيد الذي وصل إلى مرحلة اليأس والضجر والقهر، وليس الوحيد الذي يدعو في كل صلاة وكل ساعة "حسبنا الله ونعم الوكيل".

إذا نظرنا إلى المتطلبات الأساسية لأي أسرة سعودية ومدى تأثير ارتفاع الأسعار على قدرة الأسرة السعودية على التحمل، فهي تتركز فيما يلي:

1. أسعار تملك الأراضي والوحدات السكنية من فلل أو شقق، التي بلغت مستويات خيالية وأرقام فلكية، مستويات أدت إلى انخفاض أعداد المواطنين القادرين على تحمل هذه الأسعار. بل ومما يزيد من معاناة المواطن ما يحصل من احتكار الأراضي البيضاء، وتحديد الأسعار من قبل تجار الأراضي وأصحاب المصالح الخاصة بطريقة تناسبهم، بعيداً عن نظام العرض والطلب، ودون حتى تطبيق أبسط متطلبات الشريعة، فرض الزكاة على عروض التجارة من الأراضي البيضاء.

2. أسعار استئجار الوحدات السكنية من فلل أو شقق التي لا يوجد لها سقف أو حد، فالمالك يستطيع زيادة الإيجار في أي وقت وبأي نسبة دون رجوع للمستأجر أو أي جهة أخرى، وبغض النظر عن مستوى الأسعار السائد، ودون أي اعتبار لنظام العرض والطلب، فشقة مكونة من غرفتين قد تصل إلى أكثر من (30) ألف ريال كإيجار سنوي بعد أن كانت في حدود (10) آلاف ريال قبل سنوات قليلة ماضية، أي أن هناك زيادة بأكثر من (300%) في أسعار الإيجارات.

3. أسعارخدمات الاتصالات، التي تخضع أسعارها ـ وهي الأعلى في العالم ـ لأهواء واحتكار (3) شركات، ولا توجد مرجعية يمكن للمواطن تقديم شكواه إليها في حالة وجود مخالفة أو ضرر من قبل شركات الاتصالات.

4. أسعار خدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، التي من الواضح أن هناك زيادات في أسعار هذه الخدمات في مقابل خدمات منخفضة، ودائما تحتج هذه الجهات بانخفاض رسومها مقارنة بأسعار الخدمات الأخرى مثل خدمات الاتصالات، وكأن هناك سباقا ومنافسة شرسة على دخل المواطن، وليس على خدمة المواطن.

5. المواد الغذائية، وخصوصاً التمر والحليب والأرز والسكر والملح والدقيق والخبز والخضراوات والفواكه واللحوم والدجاج والسمك، وهي مواد غذائية أساسية لأي أسرة وليس فقط الأسر الغنية. وإذا نظرنا إلى مستوى الأسعار لهذه المواد خلال السنوات العشر الماضية فقط؛ فإننا نلاحظ العجب العجاب، فخذ على سبيل المثال سعر كيس الأرز، فقد كان سعر عبوة الـ (45 كيلو) في حدود (100) ريال والآن أكثر، فقد وصل إلى أكثر من (200) ريال لنفس العبوة، أي بزيادة أكثر من (100%) وهي زيادة غير طبيعية في ظل عدم ارتفاع دخل الأفراد بنفس النسبة أو حتى نصفها، ولنا أن ننظر أيضاً في الارتفاعات التي صاحبت المواد الأخرى، ومنها السكر والحليب والسمك ـ المحتكر من فئات عمالية آسيوية ـ وغيرها من المواد الأساسية، مما يمثل ضغطاً سلبياً على الأسر ذات الدخل المحدود ويضطرها إلى تعديل أولوياتها والتنازل عن الكماليات لمقابلة الضرورات.

6. أسعار النقل والمواصلات البرية والجوية، التي تخضع مستوياتها لرغبات الجهات المحتكرة لهذه الخدمات، على الرغم من انخفاض مستوى الخدمة.

7. قطع غيار السيارات وأجور إصلاح وصيانة السيارات المحتكرة من فئات عمالية غير سعودية، وهنا ترتفع أسعار هذه الخدمات بشكل شبه يومي دون رقيب أو حسيب، مما يزيد من أعباء المواطن.

8. أسعار الملابس والأقمشة والتفصيل والشقق المفروشة والفنادق والمقاهي والمطاعم والمخابز وغيرها، التي تمثل أعباء إضافية وزيادة على فاتورة المواطن، مما يتطلب أيضاً أخذها في الاعتبار عند وضع الميزانية الشهرية لأي أسرة سعودية.

في ظل هذه المعطيات الصعبة وما يواجهه المواطن من ارتفاع مستمر في الأسعار واستهلاك الميزانية الشهرية للأسر السعودية، ليس فقط للمرتب الشهري ولكن أيضاً لمدخرات الأسرة، ويمكن أيضاً الدخول في مديونيات لمقابلة المستلزمات اليومية الضرورية، وبعيداً عن بحث الأسباب وتحميل المسؤولية على وزارة التجارة – إدارة حماية المستهلك – وعلى هيئة الاستثمار وعلى وزارة العمل وعلى جمعية حماية المستهلك؛ فإنه من الحكمة العمل بشكل جماعي لوضع الحلول المناسبة لمساعدة المواطن وتسهيل حياته وتأمين مستقبله، فمشكلة ارتفاع الأسعار ليست مشكلة جهة حكومية واحدة وإنما مشكلة تكاملية، يبدأ حلها من خلال تبني دراسة شاملة على مستوى مجلس الشورى، وبالتعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، بحيث تتضمن مجموعة من الحلول الاستراتيجية، وجدولا زمنيا ومجموعة من مؤشرات الأداء، على أن يتم تخصيص جهة أو جهاز يعنى بهذا المشروع ويتحمل المسؤولية كاملة، بدلاً من تشتت المسؤولية وضياع الرقابة والمحاسبة كما هو حاصل الآن.