تستغرب زائراتي أو معارفي حين يجدون على مكتبي في العمل وفي البيت تحفة لـ"حمار" يبرز ويتقدم تحفا أجمل منه، فيما بمكتبتي في البيت تحفتان لحمارين، واحدة منهما هدية من أختي، وطبعا لم تهدني إياها إلا لأنها تعرف أني أقدر كثيرا هذا الحيوان المظلوم، وأكثر المقربين مني يعرفون ذلك، وأذكر لكم أن بعض صديقاتي وزميلاتي ممن عملتُ معهن بمجلة سيدتي حين كنتُ مسؤولة تحرير؛ كنّ يعرفن مكانة هذا الحيوان عندي، وكم أدافع عنه حين يستخدم اسمه كشتيمة، ولهذا لم يترددن في مفاجأتي بعمل حفلة لي بعد مغادرتي العمل، فأحضرن لي فيها كعكة عليها "حمار" وأتذكر جيدا حين جاءت الكعكة كيف استغرب الموجودون في المطعم حينها "حمار.. معقول!" بينما صديقاتي يعرفن أنهن أفرحنني بمفاجأتهم الظريفة، فلطالما أشعر أن هذا الحيوان مسكين ومظلوم، ويجب أن نعيد له التقدير الذي يستحقه مقابل خدماته الطويلة على مدى ستة آلاف سنة للإنسان.
وبعيدا عن حمار بلغاريا المرشح للانتخابات الذي أخبرتنا عنه الصديقة بشائر محمد الجمعة الماضي، فإن الحمار على ما فيه من "رمزية" تستحق التأمل في حياتنا؛ إلا أنه حيوان له موقعه في الفن والأدب الإنساني وحتى السياسة المعاصرة. فالحمار شعار للحزب الديموقراطي الأميركي الذي ينتمي إليه أوباما، ولا ننسى حمار توفيق الحكيم، وما كتبه عن علاقته به منذ الطفولة، ليس هو فقط بل من قبله بألفي عام، وتحديدا في القرن الثاني الميلادي كانت رواية "الحمار الذهبي" لكاتبها اليوناني لوكيس أوبوليوس، وهي أقدم رواية تصل الإنسانية كاملة، وكان المؤلف تحدث فيها عن قصة رجل يتحول بفعل السحر إلى حمار، ومن ثم يسرد حياته وتصوره للبشر بشكل يشبه مذكرات، وهذه الرواية أغرت أيضا ميكافيلي بإعادة كتابتها عام 1479 ولكنه لم يكملها، ومن قبل هذا لا ننسى حمار "كليلة ودمنة" لعبد الله بن المقفع حيث ترجمها عن الهندي "بيدبا" في القرن الرابع قبل الميلاد، وحتى الفلاسفة استخدموا الحمار في تناولهم الفكري وحواراتهم كما فعل فيكتور هوجو صاحب رواية "البؤساء" حين كتب قصيدة طويلة بعنوان "حمار" ليحاور الفيلسوف "كانط"!
ولا أنسى هنا الأديب الجاحظ وهو من أهم وأوائل العرب الذين كتبوا وقدموا معلومات بحثية مهمة عن الحمار في القرن الثالث الهجري خلال كتابه الضخم "الحيوان"، ومع الأسف بعده سكت التاريخ البحثي عن هذا الحيوان لقرون عديدة، حتى قام بعض الباحثين الغرب في القرنين الأخيرين وتناولوه علميا، ليثبتوا أنه ذكي وحميم وصبور ودقيق السمع.
ولكن لماذا الوجدان الشعبي وخاصة العربي ظالم لهذا "الحمار"؟! فهو كائن مسالم لا يؤذي صاحبه، وصبور ووفي ولا يحقد كما يفعل الجمل مثلا، ولا يتدلل كما يفعل الحصان، لكنه لا يجني إلا المعاناة والاحتقار له! وأذكر هنا ملفا مهما وثريا تناول "الحمار" في مجلة القافلة عام 2007 كتبه الأستاذ عبود عطية، يذكر أن الحمار "يعيش نظريا وعمليا في البلدان الغربية ما بين 35 و40 سنة، وبحسب تقرير (الفاو) فإن معدل عمر الحمار في منطقة الشرق الأوسط لا يتجاوز سبع سنوات، أما التفسير المخجل للعمر القصير فهو سوء التغذية وسوء المعاملة!"
ويبدو أن "الحمار" بات أكثر الأدلة المقنعة على عناد هذا الإنسان وحماقته وجهله وأنه مخلوق ميؤوس منه، فعلى الأقل الحمار لا يكرر أخطاءه، بينما هذا الإنسان لا يتوقف عن تكرار أخطائه يوميا ولا يتعلم شيئا من تجاربه السابقة.