رحم الله أيام الرسائل والمكاتيب، رحم الله أيام ساعي البريد ودراجته وحقيبته المهترئة وقبعته، أيام كان التواصل يتم عن طريق كلمات متناسقة ذات نغم يدخل القلب ويخفف من نار الاشتياق وحرقة البعد والغربة، رسائل كانت تحمل في طياتها شيئا من طيف وشيئا من عبير وشيئا من روح المرسل، رسائل دارت بين الأدباء والمفكرين وحتى العلماء، منها الشخصي ومنها الحواري حول قضية أو نظرية ما، المهم كان التواصل حينها في أرقى حالاته، لا تعدي، لا شتيمة، ولا استهزاء.
اليوم وبسبب انفجار وتشعب وسائل التواصل الحديثة، خسرنا الكثير من المهارات الاجتماعية والأخلاقية واللغوية والأدبية، نظرة سريعة من حولنا سوف تكشف لنا عن واقع أليم لما وصلنا إليه من انحدار في مهارات التواصل، نجد الغضب والتشنج، الاستهزاء والتقليل من شأن المحاور، واعتبار الحوار عملية حياة أو موت أي يا قاتل يا مقتول، بمعنى أنك تدخل لتفوز! كيف نسينا أن الحوار هو للتعلم.. للتعرف وللتقارب والاحتواء؟
إن الحوار البناء يفقد فاعليته إذا كان الهدف منه إحراج الطرف الآخر. تحول الحوار إلى وسيلة لعرض العضلات أو لفضح نقاط الضعف عند الطرف الآخر، أو الاستهزاء من فكره وطريقة عرضه للموضوع، ولقد شهدت قدرا كبيرا من هذا خلال اطلاعي على التعليقات في صفحات التواصل الاجتماعي، والردود على المقالات في صحفنا، ومن خلال نقاشات حول قضية ما في مجموعات البريد الإلكتروني، للأسف هنالك أناس لا يمكن أن يتعاملوا مع من يختلف معهم، بل إن بعضهم يلجأ إلى الكراهية والبغض الذي يصل لحد الهجوم والإقصاء، رغم أنهم لا يعرفون شخصية من يهاجمون عن قرب، ولا يعرفون شيئا عن حياته، لماذا نلجأ إلى أسلوب النقد اللاذع، ونعتبر كل من يختلف معنا هدفا يجب تحطيمه أو القضاء عليه؟! مشكلتنا أننا نركز على الشخص وننسى نقاط الحوار، ونبدأ برمي السهام يمنة ويسرة وفي كل اتجاه، كأن نقول لغته العربية ركيكة، أو لديه أخطاء إملائية أو نحوية، أسلوبه متعال أو منفر، استخدامه للأسماء أو الأرقام غير دقيق، إلخ.. المهم أن نشتت من نعتبره الخصم عن قلب القضية، للتقليل من شأنه أو مكانته العلمية، ونأخذه حيث نريد نحن.. إلى ركن الاستسلام.
لنلاحظ أسلوبنا في الحوار مع من نحب أو من هو داخل دائرة حياتنا، قد نختلف ولكن غالبا ما ينتهي الأمر بالموافقة على الاختلاف في الرأي دون المساس بمشاعر الآخر، ولكن حين يتعلق الأمر بمن ليس قريبا أو صديقا تصبح الساحة مفتوحة وأي شيء متاحا، لا مشاعر تهم ولا أخلاقيات حوار تنفع، خاصة إذا كان الحوار من خلف اسم مستعار، أو ليس وجها لوجه!
على مدى حياتنا سوف تكون لنا فرص كثيرة للاتصال مع مختلف الناس، قد نتفق أو نختلف في وجهات النظر، المهم أن ندرك أن الاختلاف لا يجعل منا أفرادا سيئين، ولنتذكر أنه حين نكون نبلاء في تعاملنا مع الآخرين فهذا لأننا نبلاء بأصلنا وليس بالضرورة لأن من يقابلنا يستحق ذلك، إن إجراء مناقشات بطرق عملية ومهذبة مع من لا يشاطرنا الرأي يحتاج مهارات تنمو مع الممارسة، فكم من مرة نسيت نفسي وأخذت الموضوع على أنه شخصي وكانت ردودي على هذا الأساس، وحين أراجع ردودي أخجل من نفسي.. كيف لم أنتبه أو أحاسب على قمية مشاعر من يحاورني؟ وعليه وضعت قائمة من الأمور التي يجب أن نتجنبها في النقاش، أنا قبل غيري، يجب أن يكون لدينا كامل السيطرة على المشاعر من أجل إعطاء المجال للعقل كي يعمل ويعبر عن أفكارنا بكلمات مختارة بعناية، لتصل الفكرة بسلاسة بحيث يصل المعنى، لنبتعد عن التعميم.. التوصيف.. التمسك بالأفكار التي نعتبرها من المسلمات من الأجيال السابقة، دون إعطاء عقولنا الفرصة للتأكد من صحتها أو تطابقها مع الحياة في العصر الحديث ومعطياته، وذلك بألا نتحيز لمن ينتمي لنفس العقيدة أو الفكر أو المذهب بل نحكم بناء على ما يقدم من أفكار وأفعال إيجابية كانت أم سلبية، لا ننهي النقاش إلا إن وجدنا أن الآخر يصر على موقفه، أو أنه قد اتخذ موقفا ولا يريد أن يصغي أو حتى أن يحاول الفهم، حينها لننهي النقاش بكل تهذيب دون نقد أو لوم، وهذا من أجل البقاء على العلاقة في حيز التقدير والاحترام المتبادل، كما يجب أن نبتعد عن الشخصنة بأن نهاجم الآخر فقط من أجل أن نحقق نصرا شخصيا يغذي شعورنا النرجسي، ألا نحيد عن الهدف من الحوار أو النقاش، كالتأكد من أنه لا يحيد عن الاستفادة والتقارب والتوضيح، أن نعترف بأننا لا نعرف نقطة ما أو معلومة ما حين نواجه بها ولا نواصل بجهلنا وتتسع نقاط المخالف، ألا نلتف حول الموضوع بإدخال النقاش في متاهات أخرى، نعم هنالك اختلاف ولكن لنتعلم كيف نختلف، والأهم لنكن قدوة ليس فقط على المستويات العامة ولكن أيضا على المستويات الشخصية، بدءا من المنزل من أجل إعداد أجيال قادمة قادرة على الحوار للاستفادة من تطورات الفكر المحلي والعالمي ومتغيراته، فنحن بالتأكيد لا نريد إهدار الفكر بل نريد استثماره.