الطموح الذي يلازم معالي مدير جامعة الملك سعود الدكتور عبدالله العثمان والمتمثل في قناعته المطلقة في أننا نعيش -أو يجب أن نعيش- عصر المعرفة ويجب أن نتجه نحو اقتصاد المعرفة يُعد طموحا مشروعا يحق له كمواطن أولا، وكمسؤول في أكبر جامعة سعودية أن يسعى إلى تجسيد هذا الحلم الكبير على أرض الواقع.

لا نختلف مع معالي المدير في درجة الطموح الكبير حتى لو كان تحقيقه عالي التكلفة، فهو من أصحاب النفوس الكبيرة الذين قال فيهم المتنبي "وإذا كانت النفوس كبارا،،، تعبت في مرادها الأجسام". فاستشراف مستقبل المعرفة في حياة الشعوب من خلال التركيز على رأس المال البشري بصفته منجما غير مهدد بخطر النضوب هو مشروع جبارلا يمكن لعاقل تجاهل أهميته في القرن الحادي والعشرين، لأن الدول التي تهمّش العقول سوف تجد نفسها على هامش التاريخ مهما كانت ثرواتها الأخرى.

هذا الطموح يجب أن يكون مسبوقا بتحرير العقل من التبعية والتقليد وعدم وجود سقف للتفكير، وهو أمر لن يتحقق إلا بوجود بيئة من الحرية الفكرية بصفتها الضامن الوحيد لازدهار المعرفة والإبداع في شتى المجالات.

التفكير العلمي والاستقرائي عندما توفر له الحرية والتشجيع يقود إلى الإبداع الذي من شأنه أن يقود المجتمعات إلى التطور المعرفي والفكري والاجتماعي.

النجاح في هذا المشروع مرتبط بعدة قضايا يجب مناقشتها بواقعية حتى تكون أحلامنا متناسبة مع واقعنا، أو نغّير واقعنا ليكون مهيأ لتحقيق أحلامنا.

فهل نمتلك البيئة المناسبة لإنتاج المعرفة؟ وهل حقا نمتلك الحريات الأكاديمية والمناخ البحثي المريح للباحث؟ وهل نحترم العقل باعتباره نواة المعرفة ومحركها الأساس ونسمح له بالتفكير بلا حدود أو قيود؟

وأخيرا هل حسمنا موقفنا من المعوقات الدينية والثقافية لاكتساب المعرفة وتوظيفها؟ ماذا عن الموقف العدائي من بعض جوانب المعرفة عندمايتم توبيخ من يعمل عقله ويفكر ويطرح تساؤلات حول القضايا التي نعايشها بشكل يومي وربما يجد من يكفره ويوجه له التهم؟ لماذا نقف موقفا عدائيا من الفلسفة رغم أنها أم العلوم ومصدر الحكمة؟

فلا تدرّس في جامعاتنا، بل يوجد بيننا من يعتبرها كفرا بواحا، لأنها تثير التساؤلات وتستثير في الإنسان مهارة التفكّر والتأمل وتدفعه للبحث الدائم والمتواصل عن تفسير عقلاني لما يدور حوله.

هذا المنهج لا نؤمن به في المجتمع السعودي بشكل عام -والجامعة جزء من المجتمع- رغم أهميته في توليد المعرفة. لماذا لا تدرّس الفلسفة في السنة التحضيرية في الجامعات السعودية بصفتها منهجا عقليا جدليا يقوم على التفكير في ما هو معلوم من أجل الوصول إلى المجهول؟ فالبحث عن المجهول هو الخطوة الأولى من خطوات التفكير المنطقي فضلا عن كونها تستثير في الطلاب حب الحكمة، والحكمة ضالة المؤمن والكثير منها يكمن في إعمال العقل وعدم التوقف عند حدود التخيل البشري.

البيئة الأكاديمية يجب أن تتخلص من المؤثرات التي تحيط بها من جميع الجوانب وخصوصا أبطال نظرية المؤامرة والتغريب المستميتين نحو عزلنا عن المجتمعات الخارجية وإحاطتنا بسور من الأوهام بحجة خصوصيتنا والمحافظة على هويتنا، والذين سوف يسخرون كل جهودهم لكيفية مقاومة ورفض المعرفة كموقفهم من برنامج الابتعاث رغم كونه قناة لجلب المعرفة.

بعض من نعدهم جنودا في ميدان المعرفة يرفضون تدريس الفلسفة في الجامعات السعودية ولا يزالون معجبين بمن أحرقوا مكتبة الفيلسوف العربي الفذ ابن رشد.

نحن نعيش مشكلة فكرية استنفدت الكثير من طاقاتنا وعطلت الكثير من مشاريعنا. آمل أن تنهار جميع أو بعض هذه العقبات أمام طموحكم البعيد.