سيدي معالي الرئيس.. منذ ما يزيد على ثلاثة أسابيع و في شارع التحلية، الشارع قلب الرياض وروحها الجديدة، وفي اليوم التالي للاحتفال باليوم الوطني، وقفت أراقب كأي مواطن تستوقفه كل الأحداث التي يرى فيها حضورا لرجال الهيئة. خاصة أن ذلك يمثل واحدة من اللحظات التي تمثل قصصا ساخنة ومثيرة في حياة السعوديين.. بادرني أحد رجال الهيئة بالسلام، قال لي: أريدك أن تقف بجوارنا لدقائق لترى.. تفضل مشكورا بإطلاعي على حجم المخالفات التي تم رصدها في ذلك اليوم، كانت منطقية، وخاصة وفق سياقنا الاجتماعي والثقافي، ظل يتعامل مع الجميع بكل ترحاب وامتنان، لم يكن حادا ولا شرسا، قال لي: نحب أن نشاهد مظاهر الفرح باليوم الوطني، لكننا نأمل أن تتم بلا مخالفات، لم يكن المقام يتسع بيننا للحديث عن المختلف فيه من أنواع المخالفات – كان بعض زملائه يعترض على أصوات الموسيقى التي تصدح من بعض السيارات، وهو ما لا يعد أمرا جديرا بالإنكار، ودعته وأنا أشعر أن ثمة نماذج يمكن تدريبها أكثر لتسهم في ردم الهوة التي تتسع يوميا بين جهاز الهيئة وبين المجتمع.
سيدي الرئيس: أنت أول من يدرك أنه وبكل أسف؛ كيف يكاد يكون مثل هذا المنظر قليلا أو استثناء، بينما الغلبة للشدة والحدة والشراسة، أو على الأقل هذا ما يعرفه الناس، والناس شهود الله في أرضه، وطالما تحدث الجميع عن علاقة متوترة تزداد باستمرار بين الناس وبين الهيئة، وهو الوضع الذي لا تعيشه أي دائرة حكومية أخرى مع المواطنين، من قضية الحريصي إلى قضية الاقتحام الذي حدث لشقة عائلية في الرياض، إلى قضية فتاة المدينة، إلى غيرها من عشرات القضايا التي يعرفها معاليكم جيدا، وتعرض عليكم باستمرار، كلها تجعل الجميع في مواجهة مع هذا السؤال: لماذا الهيئة فقط، ولماذا يبدو الأفق غير مبشر بحل واضح، خاصة أن الاستبشار الذي عم الجميع – وما زال منذ تسلمكم هذا المنصب – يمثل الأمل الأبرز لإعادة إنتاج علاقة جديدة بين الناس والهيئة؟ يؤمن معاليكم، بأن الهيئة وضعت للعمل من أجل المواطنين، وليس عليهم، وبالتالي فهي جهاز لهم، وكل الأجهزة التي تعمل من أجل الناس تنطلق من حجم الرضا الجماهيري وتلبية طموح الجماهير، فمتى كان آخر استفتاء علمي ومحايد وعام قامت به الهيئة وما هي نتائجه؟ دعونا ننطلق من آخر حادثة تداولتها وسائل الإعلام، وهي قصة فتاة المدينة، لا تركزوا في ردودكم على قضية النعناع، لأن الناس تبحث في آلامها عن حيز للسخرية والضحك، وهذا حال الثقافة الاجتماعية في كل مكان، بل ركزوا على الرد الذي جاءكم من قبل المسؤولين لديكم حين قالوا بأنه: (ورد بلاغ للهيئة عن اشتباه في وافد يحمل معه فتاة سعودية قادمة من ينبع إلى المدينة في سيارة أجرة) لاحظوا معاليكم، كم هي عامة وغير مسؤولة عبارة: (ورد بلاغ) وكم هي أحجية جيدة، يمكن لأي عضو يرتكب خطأ ما أن يجعلها حصانه الأخير الذي يغير به على الآمنين، والحجة أنه: ورد بلاغ. والسؤال: ممن جاء هذا البلاغ؟
معالي الرئيس: قبل قرابة شهر من الآن، أصدر سمو النائب الثاني وزير الداخلية تعميما لكافة المناطق يقضي بمنع الاجتهادات الشخصية والتصرفات المرتجلة من قبل موظفي الدولة في التعامل مع المواطنين، وعدم المس بكرامتهم أو حريتهم. وكلنا ندرك أن معاليكم بسيرته الطويلة في العمل الحكومي يدرك ما معنى أن تصدر وزارة الداخلية هذا التعميم، وتدركون كذلك أن موظفي المرور والتجارة والبلديات والشرطة والدفاع المدني والتربية والتعليم والصحة والحج والعدل والإعلام والزراعة وحتى الأرصاد وحماية البيئة لديهم من القوانين والأنظمة التي لا يختلف الناس معهم عليها، وإن اختلفوا فهم يدركون أن السلطة التي تمارس معهم في الشارع هي سلطة النظام وليست سلطة الأفراد وحدتهم وعنادهم. ما أكثر السعوديين الذين يحتفظون في أذهانهم بقصص لرجال الهيئة في الأسواق التجارية العامة، وهم ينهرون فتاة لا تغطي وجهها، أو يرون فيها – حسب فقه العضو القائم وحداثته – ما يدعو إلى الفتنة، وكيف تتم ملاحقتها ورفع الصوت عليها، وغير ذلك من الألفاظ التي يعرفها الجميع، فهل في حياة السعوديين بأكملها أي جهاز من أجهزة الحكومة يمكن أن يعرضهم لمثل هذا الموقف؟
معالي الرئيس: إن القضية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي حماية الناس من الأذى الذي قد يلحق بهم من أي منكر، وليس اعتقاد أنهم أهل منكر تجب إزالته، وهو محور من محاور الخلاف بين الناس ورجال الهيئة في الميدان، فثمة ما هو متفق عليه، وثمة ما هو مختلف فيه، والمختلف فيه فقهيا ومعيشيا لا يمكن أن يمثل مجالا للإنكار، ما دام لا يمثل انتهاكا لقانون ولا لنظام.
معالي الرئيس: يحفزني لهذه الكتابة لقاء جمعنا مع نخبة من المسؤولين ونخبة من الإعلاميين، وحين طرحت قضية العلاقة بين الناس والهيئة وجدت أن ثمة إجماعا كبيرا على أن معاليكم أحد الذين سلمهم الملك
– حفظه الله – ملفا يحتاج لكثير من العمل من أجل أن يتصالح مع الناس، وتاريخكم محل إجماع ورهان من الجميع، إلا أن الجميع أيضا كان يؤكد أن ما يحدث في الميدان شيء، وما تطمحون إليه شيء آخر، بل لقد جمعني لقاء بأكثر من مسؤول في الرئاسة، وكان لديهم من الشعور بتلك الفجوة بين الهيئة والناس وأهمية ردمها باتجاه ما يحقق المصلحة الوطنية إيمان واضح وصادق، وبالتالي فالجميع يتطلع إليكم في زمن بات فيه الجميع يمتلك الحق في الانتقاد والاحتجاج وإبداء الرأي، وأنتم تعلمون أن الدولة بحاجة إلى أن تكون كل مؤسساتها عاملا للتصالح مع الناس وخدمتهم.
إنكم تدركون معالي الرئيس أن خادم الحرمين حفظه الله يفتح قلبه قبل بابه، فماذا لو تقدمتم بمشروع لتقنين العمل الميداني في الهيئة، وتحديد المخالفات وأسلوب الإجراءات، وتحديد جزاءات لمن يخالف ذلك، والذي يجعلنا نأمل في المبادرة في ذلك هو أن كثيرا من إجراءات الإصلاح التي شهدها جهاز الهيئة جاءت من خارجه، ونحن بانتظار ما يأتي كمبادرة من الرئاسة، وأنتم تعلمون أن اقتراحكم متى ما جعل المواطن أولا؛ سيجد كل قبول وترحاب.
سوف أعاود الكتابة لاحقا، ولدي يقين أن المخلصين أمثالكم يستبشرون بكل نقد ولا يرون فيه منكرا آخر تجب إزالته.