تطرق الدكتور عبدالله الغذامي لثقافة الفساد في مقالة كتبها مؤخراً بعنوان "ثقافة الفساد..مطبخ السواليف"، وذكر فيها أن ثقافة الفساد تنشأ من داخلنا عبر نوع من البرمجة المستمرة، وذلك من خلال حديث وقصص الناس عن الفساد في المجالس، التي بالطبع يسودها التضخيم والمتعة ، ويرى الدكتور أن الخطر يكمن في متعة سرد مثل هذه القصص، حتى تصل في النهاية إلى نتيجة ذهنية تقول بأن كل مسؤول ذي منصب هو فاسد، لتصبح قاعدة أساسية فيما بعد، وبالتالي فإن هذا النمط الثقافي يسهّل لعبة الفساد في النفوس من غير محاسبة أو مراقبة مما يجعلنا مشاركين في صناعة الفساد من دون أن نعلم حسب رأي (الغذامي).

في الحقيقة قد أتفق جزئياً مع رأي الغذامي حول ثقافة الفساد، وما قد يترتب عليها من آثار سلبية على المجتمع، وذلك من خلال تضخيم موضوع الفساد في حديث المجالس، دون وجود ضابط أخلاقي، أو دليل مادي لها .

ولكن ما صوره الدكتور عن المتعة في سرد قصص الفساد، وربط هذه المتعة بحب الناس لما نسميه باللهجة العامية بـ(الفضايح)، فأعتقد أن هذا النوع من المتعة هو من الطبيعة البشرية في جميع ثقافات شعوب العالم، حيث يرى بعض علماء الاجتماع أن الإنسان لا يستطيع أن يطبق النزاهة والمثل العليا في حياته الواقعية، فيطبقها على الآخرين وينتقدهم، ليشعر بشيء من الفضيلة والأخلاق الحميدة، وحتى يتميز على غيره في ذلك.

وهذا ما ينطبق أيضاً في حديث الناس عن الفساد، كما أن قول الفاسدين حين كشفهم : " لستُ الوحيد، ولستُ الأول، ولن أكون الأخير "، فهذا القول ما هو إلا تبرير للفساد، حيث إن الإنسان من طبعه تبرير أي عمل يقوم به سواء كان قبيحاً أو حسناً، إما لتخفيف وطأة هذا العمل على نفسه، أو زيادة في الفخر على أقرانه من الناس، وهناك نظريات كثيرة في علم النفس حول هذا الموضوع.

مشكلة الفساد في نظري تكمن في أخلاقيات المجتمع وعاداته وتقاليده وقيمه، فإذا كانت هذه القيم على سبيل المثال تتعارض مع الأنظمة والقوانين، ففي حال مخالفتها من قبل الموظفين، فإن المجتمع ليست لديه أية مشكلة تجاه هذه المخالفات، وقد لا يعتبرها من أشكال الفساد، بل قد يراها شيئاً طبيعياً وقد تكون من كرم الأخلاق أيضاً.

إذن فالفساد يتعلق في المقام الأول بالأخلاق، وهي تختلف من مجتمع إلى آخر، فما هو (عيب) في مجتمع ما قد يكون (فضيلة) في مجتمع آخر..هذا من جانب.

ومن جانب آخر، فطبيعة العمل الإداري لدينا مبنية على أسس ونظريات غربية تأثرت على وجه من الوجوه بأخلاقيات وقيم المجتمعات التي خرجت منها هذه النظريات، التي بالطبع تختلف عن قيمنا وأخلاقنا، لذلك هناك صراع ثقافي أخلاقي في العمل الإداري يصعب شرحه، انعكس بدوره على تعاملنا مع قضايا الفساد وبالأخص مفهوم الفساد ذاته.

هذا بالإضافة إلى وجود ضعف في الوعي المجتمعي لأخطار الفساد وأنماطه وكيفية إثباته قانونياً، وبالتالي هناك نوع من الجهل بالوظيفة الإدارية بصورتها الحديثة، وجهل بالقوانين والأنظمة بشكل عام.

وجميع ما سبق ذكره له دور كبير في اعتقادي لما يشاع من تضخيم للفساد، أو بمعنى أدق التعامل غير العقلاني مع قضايا الفساد في حديث الناس في المجالس، وهذا التعامل قد يمتد أيضاً إلى الشكاوى والتظلمات المرفوعة إلى الأجهزة الرقابية المختصة، وقد يمتد أيضاً إلى أسلوب التحقيق في مثل هذه القضايا، وهذا هو التحدي الكبير في الحقيقة الذي سوف يواجه الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في المملكة.

وفيما يلي، سوف أعرض حالة لقضية فساد حصلت في الولايات المتحدة الأميركية لنتعرف على أبعادها القانونية والظروف البيئية المحيطة بها، فقد كشف أحد الموظفين وجود فاتورة (مستخلص)، تتعلق بأحد العقود الحكومية تتضمن مصاريف مجموعة من معدات الصيانة، ومنها ثمن (مطرقة) بلغت قيمة (433) دولاراً، وكشف موظف آخر وجود فاتورة بقيمة (3000) دولار ثمن " آلة تحضير القهوة"، فقام أحد الموظفين بالاتصال بالنائب الذي يمثله في الكونجرس ليحدث بذلك ضجة شعبية في المجتمع الأميركي.

بالنظر للوهلة الأولى إلى قيمة هذه البنود، وبوجود دليل ومستند مادي لها (الفواتير)، فإننا أمام قضية فساد لا غبار عليها، وسرقة للمال العام عن طريق تضخيم قيمة معدات رخيصة الثمن في السوق قد لا تتعدى (عشرات الدولارات)، ولكن مع التحقيق اتضح صحة قيمة هذه البنود، بل وتمثل السعر السائد في السوق...كيف؟، بالنسبة لآلة القهوة، فقد تم شراؤها لعمل القهوة لأكثر من ثلاثمائة موظف، والمطرقة كانت من نوع مختلف وليست مطرقة عادية وكانت غالية الثمن في السوق لوجود تقنية معينة فيها.

والمستفاد من القضية السابقة، أنه بالرغم من وجود دليل ظاهر على وجود فساد في مثل هذه العقود، إلا أن الحقيقة كانت على خلاف ذلك، فما بالك في قضايا أخرى قد يجهل أصحابها القوانين، وقد يجهلون طبيعة العمل الإداري والنظام المالي، والظروف المحيطة بها، وبالتالي فإن التعامل مع قضايا الفساد ليس بالأمر اليسير.

أذكر في وقت مضى، أن البعض كتب في المدونات والمنتديات، عن وجود هدر مالي كبير في إحدى الجهات الحكومية، وكانت الردود أن ذلك يعتبر فساداً مالياً عظيماً، مع العلم أن المبالغ كانت عبارة عن ديون مستحقة متأخرة على بعض المواطنين لم يتم تسديدها..فكيف أصبحت فساداً مالياً؟.

وعلى كل حال، فإن مسألة الوعي الاجتماعي لقضايا الفساد، تقع على عاتق كثير من فئات المجتمع ومؤسسات الدولة، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الأجهزة الرقابية وبالأخص ديوان المراقبة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي تتمثل في انتهاج مبدأ الشفافية في طرح قضايا الفساد على الرأي العام.