استيقظت البلاد يوم أمس على نعي الملك عبدالله بن عبدالعزيز أخاه الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله. والواقع أن الأمير سلطان فقيد على البلاد وعلى الكثيرين في الداخل والخارج.. على البلاد بفقدها أحد قادتها الذين لهم دور كبير في مسيرتها، ومنذ عام 1947 عندما عينه والده الملك عبدالعزيز أميراً للرياض ووزيراً للزراعة عند تشكيل أول وزارة للبلاد عام 1953، ثم وزيراً للمواصلات عام 1955، وفي عام 1966 وزيراً للدفاع والطيران ومفتشاً عاماً.. ونائباً ثانيا لرئيس مجلس الوزراء عام 1982، ثم ولياً للعهد عام 2005، ومنذ أول عمل قام به الأمير سلطان وهو يساهم وبدور كبير في بناء بلادنا، ويعمل على تطويرها وتقدمها في كل مجال عمل به.. ومشهود له بدور كبير وانضباط ودقة في الوقت، وحب للعمل والتطوير والارتقاء.. وقد تمكن أثناء عمله من كسب احترام وتقدير وثقة كل من عمل معهم.. وذلك لما عرف عنه من سداد الرأي والحزم والدقة، حتى إن بعض المؤسسات قد اختارت شخصيته "رجل العام"، وفي أعوام سابقة نظير ما يتمتع به من صفات قيادية بارزة.. وذلك بشهادة الذين يشاركون في تلك الاستفتاءات، من شخصيات عالمية وكتاب ومفكرين وأدباء ومثقفين وسياسين وشخصيات عامة.. وممثلي منظمات المجتمع المدني في المحيط الذي يتم الاستفتاء فيه.
والأمير سلطان لم يقتصر دوره الكبير والبناء على المناصب والمحافل والمجالس واللجان التي يشارك فيها، بل تعدى ذلك إلى الأدوار الإنسانية التي كان يقوم بها رحمه الله، ليس على المستوى المحلي فحسب، ولكن على المستوى العالمي أيضاً، ويتبادر إلى الذهن فوراً مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الخيرية لتقديم الخدمات الإنسانية والاجتماعية والثقافية محلياً وعربياً وعالمياً. والمتتبع الدقيق لسيرة الأمير سلطان بن عبدالعزيز يقرر أنه لا يمكن حصر أعماله وإنجازاته في مساحة مقال، لأنه في عجالة قد تم حصر أكثر من 150 منصبا وعملا تسلمه وقام به الأمير سلطان.. ولكل منها أدوار عديدة ومهام كبيرة على المستويين المحلي والعالمي، والحديث عنها يطول، وتعداد مهامها يحتاج إلى مساحات كبيرة.. فالأمير سلطان شارك في معظم الوفود السعودية الرسمية التي كانت تمثل البلاد برئاسة الملك فيصل رحمه الله لحضور مؤتمرات القمة العربية والإسلامية، وجلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة.. كما ترأس الأمير سلطان وفوداً رسمية في زيارات خارجية متعددة باسم المملكة، منها احتفالات هيئة الأمم المتحدة عام 1985 في ذكرى مرور 40 عاماً على تأسيسها، وفي الذكرى الـ50 لها في عام 1995، كما ترأس رحمه الله وفد المملكة المشارك في الاجتماع العام رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقد في مقر المنظمة في نيويورك عام 2005، بمناسبة الذكرى الـ60 لإنشاء المنظمة.. كما رأس رحمه الله في لقاء "الأوبك" في قمته المنعقدة في الرياض عام 1428.. وتقديراً للدور الذي يقوم به الأمير سلطان عالمياً، وإضافة إلى اختياره "رجل العام" بين قادة دول العالم في فترة سابقة؛ حصل الأمير سلطان على العشرات من الأوسمة والأوشحة والدروع والشهادات الفخرية من قبل العشرات من دول العالم، مما لا يتسع المجال لحصرها، وذلك نظير إنجازاته الرسمية والخيرية والإنسانية في العشرات من دول العالم مما لا يتسع المجال أيضاً لذكرها.
وأما محلياً فالقصة لا تقل إنجازاً وإبهارا وإعجابا. فمؤسسة سلطان الخيرية المؤسسة غير الربحية التي تقوم بأعمال إنسانية، وتقدم الرعاية الاجتماعية والصحية والتأهيل الشامل لذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين.. لها أدوار عظيمة، منها دعم الأبحاث والدراسات في مجالات الخدمات الإنسانية والطبية والعلوم التقنية، بالتعاون مع أفضل المراكز المشابهة عالمياً.
وتتبنى مدينة سلطان للخدمات الإنسانية التي شُهد لها بأنها أكبر مدن التأهيل الطبي في العالم.. حيث يوجد بها مركز متكامل للفحوص الطبية المخبرية والإشعاعية، وغرف للعمليات الكبرى والصغرى، ومركز للتأهيل الطبي، وتضم المدينة مركزاً للتأهيل الطبي والعديد من الخدمات الطبية المميزة.. وهناك أيضاً في المؤسسة مركز سلطان للعلوم والتقنية، ومشروع سلطان للإسكان، الذي يضم المئات من الوحدات السكنية المؤثثة، والمزودة بالخدمات والبنية التحتية والمدارس والمساجد والطرق.. وغيرها من الخدمات.
تقدم المؤسسة العديد من الخدمات والبرامج، مثل برنامج دعم الأعمال الصغيرة الذي ثبت نجاحه، وأدى إلى فتح بيوت وعفة عائلات واكتفاء أسر.. وله شواهد على نجاحه.
وثانياً هناك لجنة الأمير سلطان الخاصة للإغاثة، التي خففت وطأة آثار الكوارث لأعداد كبيرة من مواطني العديد من دول العالم الذين تعرضت بلادهم للكوارث، هناك شواهد وأدلة على فعالية هذه اللجنة، مما لا يتسع المقام لذكرها.
وللأمير سلطان مساهمات كبيرة في مجال البحث والتعليم، أبرزها العديد من كراسي البحث وبرامج الدراسات في العديد من الجامعات المحلية والعربية والعالمية، وفي جميع المجالات الهامة، ومنها العلوم الإسلامية واللغة العربية والعلوم الإنشائية، والمياه والتصحر والمشكلات الطبية في مجالات أمراض القلب والإعاقة والشيخوخة.
ومجالات الدعم الإنساني للأمير سلطان كبيرة وعديدة لا تتسع المساحة لسردها فضلاً عن الحديث عنها.
الأمير سلطان فقيد للوطن وفقيد للأمة، وفقيد للعالم، والناس شهود الله في أرضه، ويشهد للأمير سلطان بحسن صنيعه وجميل إسهاماته وكريم عطائه؛ الكثيرون، محلياً وعربياً وعالمياً.
رحم الله الأمير سلطان، وألهم أهله وذويه والشعب السعودي وكل من فقده الصبر والسلوان.