بالأمس عندما بدأت في تسطير هذا المقال تحيرت أناملي واحتار فكري كيف أبدأ، وماذا سأكتب، وكيف لأفكاري أن تفي وصف "سلطان الخير"؟

وفي أثناء بحثي وقعت عيناي على تقرير يتحدث عن إنجازات المغفور له بإذن الله وبجانبها صورة للأمير سلطان رحمه الله، لم أستطع إكمال التقرير، فلقد أخذتني صورة نُشرت مع التقرير إلى مدارات أخرى بعيدة تماما عن القراءة، وإن كانت تصب في نفس الاتجاه، كان يطل من الصورة والابتسامة الصادقة والجميلة والمليئة بالحب، مرسومة على مُحياه.. مما يبدو أن للابتسامة قصة في حياة "سلطان الخير"، ولكن ما هي هذه القصة؟ لا تجعل عاطفتك تجيب عن هذا السؤال عزيزي القارئ، فالعاطفة غريزة تتهيج سريعا وتخبو بنفس السرعة التي تهيجت بها، دع عقلك يمتلك زمام المبادرة ويبحث عن الإجابة؟

فلنتمعن جميعا في هذه العبارات: "الابتسامة أجمل لغة في الحياة"، "الابتسامة في وجه أخيك المؤمن صدقة"، عبارات مازالت ألسنتنا ترددها، وتلهج بذكرها بين الفينة والأخرى، ولكنها لا تعدو أكثر من كونها كلمات حبيسة "اللسان" قلما تجد لها من مصاديق في الواقع الخارجي، إلا أن بعض المحللين من خُبراء التنمية البشرية وتطوير الذات عبروا عنها بأنها السمة الخاصة في شخصيته، .. نعم .. إنه سلطان الابتسامة، الأمير سلطان بن عبدالعزيز – رحمه الله – فكانت ابتسامته الإضاءة الطبيعية والإشراقة المنيرة والمرسومة على قسماته، كانت ابتسامته الشعور النفسي العميق النابع من القلب بالطمأنينة والسرور والبهجة، والرضا وراحة الضمير.

لقد علمنا المغفور له ـ بإذن الله ـ أن الابتسامة ظاهرة حضارية، وخير علاج لضمير الإنسان الباطن وللقلب المليء بالمحبة والخير.

وفي هذا الصدد يذكر العلماء أن لغة الجسد هي أصدق لغة في العالم، بل هي اللغة الوحيدة التي لا تكذب، فالإنسان يستطيع أن يكذب بلسانه، ولكن بعينيه ويديه وطريقة جلوسه فلا وألف لا، ولذلك قام العلماء بدراسة تأثير الابتسامة على الآخرين، فوجدوا أن الابتسامة تحمل معلومات قوية تستطيع التأثير على العقل الباطن للإنسان! لقد وجدوا أن لكل إنسان ابتسامته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد، وهذا بالضبط ما ذكره أحد المتخصصين في لغة الجسد وهو يتحدث حول أبرز السمات الشخصية للأمير سلطان بن عبدالعزيز – رحمه الله – الذي استضافه الإعلامي المتألق (علي العلياني) في برنامجه المميز (يا هلا)، حيث ذكر ارتباط الابتسامة بالبذل والعطاء والتي كانت من صفات المغفور له، حيث ركزت النتائج المهمة لمثل هذه الأبحاث أن العلماء يتحدثون عن عطاء يمكن أن يقدمه الشخص للآخرين من خلال الابتسامة، فالابتسامة تفوق العطاء المادي لعدة أسباب: 1- يمكنك من خلال الابتسامة أن تدخل الفرحة إلى قلب الآخرين، وهذا نوع من أنواع العطاء، لأن الدراسات بينت أن حاجة الإنسان للسرور والفرح ربما تكون أهم من حاجته أحياناً للطعام والشراب.

2- من خلال الابتسامة يمكنك أن توصل المعلومة بسهولة للآخرين.

3- بابتسامة لطيفة يمكنك أن تُبعد جو التوتر الذي يخيم على موقف ما، وهذا ما لا يستطيع المال فعله، ولذلك فإن أقل ما تقدمه للآخرين هو صدقة الابتسامة.

4- الابتسامة إذا أصبحت جزءا لا يتجزأ من الشخصية تتولد لدى الإنسان فراسة خاصة، أي كأنك تتحدث عن جهاز الماسح الضوئي (سكانر) الذي تستطيع من خلاله كشف مكنونات من حولك.

5- صاحب الابتسامة غالباً ما تكون حركة يديه قليلة جداً.

إن الابتسامة البهية التي كان يطل بها علينا – رحمه الله – كانت تحمل معها صفات الكرم والبذل والعطاء بكل معانيها وأبعادها العميقة الواسعة، إن ابتسامته شبيهة بابتسامات الشخصيات العالمية أمثال غاندي، على حد تعبير أحد المختصين، ولذلك كان صامتاً كثير الإنصات، يتحدث فقط بابتسامته المرسومة على مُحياه.

ما أصعبها من لحظات أن نُفارق في هذا اليوم إنساناً بكل ما للكلمة من معنى, كان يحمل في قلبه كثيرا من المعاني الإنسانية التي قلما تجدها في كثيرين، لذا فإن رحيل ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران المفتش العام صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود هو خسارة كبيرة ليس للمملكة فحسب؛ وإنما للوطن العربي بأسره، فإذا لقبه الكثير بأنه "صاحب الابتسامة الشهيرة" فانا ألقبه بـ "سلطان الابتسامة".