ما زال ينبغي على الصحف أن تنتظر بضع سنوات صعبة أخرى قبل أن تعبر بسلام عتبة التحدي الذي فرضته عليها وسائل الإعلام الحديثة. لكن أولئك الذين أعلنوا عن موت الصحف، أو قُرب موتها، قد أخطؤوا. هذه هي خلاصة ست دراسات أعدتها وزارة الثقافة السويسرية على مدى عام، وغطَّت العقد الماضي بأكمله.
وتناولت الدراسات التي تم توزيعها أمس مقارنة بين التأثير الذي امتلكته وسائل الإعلام الحديثة على الرأي العام وتلك التي لوسائل الإعلام المكتوبة، والأثر الذي تركته اندماجات بعض الصحف على تلك التي بقيت وحدها، وأثر الاندماجات على الاقتصاد والعمالة أيضاً، وتأثير الشبكة العنكبوتية على طريقة ممارسة الصحيفة والصحفي نفسه لعملهما، والقوة المالية لوسائل الإعلام خلال العقد الماضي، وتوقعات نموها خلال العقد الحالي، ومدى بقاء الشبكة العنكبوتية لامعة في أذهان الناس خلال العقد المقبل.
وأظهرت واحدة من الدراسات أنه خلال النصف الثاني من العقد الماضي انتشرت الشبكة العنكبوتية بمقدار مرتين أكثر من النصف الأول، (70% من السويسريين أبحروا في الشبكة العنكبوتية في 2010). وقالت إن الشبكة العنكبوتية جذبت من الفئة العُمرية بين 15 إلى 29 سنة، أكثر مما جذبته وسائل الإعلام التقليدية، بما فيها المكتوبة، خلال العقد الماضي.
وأوضحت أن معدل إنفاق العائلة الواحدة على شراء الصحف انخفض بين الأعوام 2000 و2010 بمعدل 19%، وبالمقابل فإن العائلات استثمرت أموالاً أكثر في شراء أجهزة الحاسوب والتلفزيون.
وخلال السنوات العشر الماضية بقيت نسبة لجوء الناس إلى الراديو والتلفزيون نفسها تقريباً مثلما كانت عليه في العقد قبل الماضي. لكن في التحليل الدقيق للأرقام، يظهر أن التلفزيون كسب جزءاً ضئيلاً من اهتمام الرأي العام في حين بقيت نسبة الاهتمام بالراديو راكدة خلال العقد الماضي.
وأوضحت الدراسة أن هاتين الوسيلتين الإعلاميتين (الراديو والتلفزيون) فقدتا نسبة قليلة من الشباب، لكنها كسبت أرضاً في صفوف السكان الأكبر عمراً، والسبب في ذلك ليس غريباً إذا كانت وسائل الإعلام الحديثة قد امتدت لشرائح كبيرة من الشباب، حسب ما جاء في الدراسة.
وفي مجال الإعلان، خسرت الصحف بين الأعوام 2001 و2009 ما يقرب من ثلث عوائدها الإعلانية تقريباً، أو ما يعادل المليار فرنك (مليار دولار). وقد تراجعت حصة الإعلانات في الصحف في بداية ظهور الشبكة العنكبوتية بنسبة 53%، إلا أنها تمكنت من استعادة أرضيتها تدريجياً ابتداء من السنة الثانية من العقد الماضي لينخفض تراجعها، بالنتيجة، من 53% إلى 37%، في 2010.
وارتفع حجم الإعلان في التلفزيون بنسبة 7% لتصل قيمته إلى 737 مليون فرنك. وسجَّل الإعلان في وسائل الإعلام الإلكترونية ارتفاعاً بنسبة 13% لتصل قيمته إلى 1,251 مليار فرنك.
وقالت واحدة من الدراسات إن الشبكة العنكبوتية أثرت بقوة أيضاً على طريقة عمل الصحف، وطريقة الصحفي نفسه في أداء عمله. وقال صحفيون في استجوابات إن الشبكة العنكبوتية، وبشكل خاص مُحركات البحث، سهلت مهامهم، وأعطت كتاباتهم دقة أكبر، ووفرت لهم وقتاً. لكن بالرغم من ذلك، أكد الصحفيون أن الشبكة العنكبوتية لم تحل أبداً محل الاتصال الشخصي المباشر أو الهاتفي بمصدر المعلومات.
وشكّل قطاع الإعلام في سويسرا 17,482 مؤسسة في عام 2009 قامت باستخدام 16 ألف شخص، أو 2% تقريباً أقل من عام 2001. وحققت هذه المؤسسات مبيعات إجمالية وصلت إلى 40 مليار فرنك في 2009.
لكن "النواة الصلبة لجميع هذه المؤسسات الإعلامية تضم 1200 مؤسسة كبيرة، وهذه انخرطت جميعها في سبعة تحالفات إعلامية ضخمة (تُسمى قلب النواة الصلبة)، أو (الإمبراطوريات الإعلامية) ـ حسب المصطلح العام ـ وبلغت الأرباح الصافية "للإمبراطوريات الإعلامية" السبع نحو 5,8 مليارات فرنك في العام الماضي. وكانت هناك عشر "إمبراطوريات إعلامية" في عام 2000 بلغت أرباحها الصافية 6,9 مليارات فرنك في ذلك العام.
وتستحوذ خمسة تحالفات إعلامية في الجزء السويسري الناطق بالألمانية على 91% من وسائل الإعلام باللغة الألمانية (صحف، مجلات، إذاعة، تلفزيون، دور نشر، شبكات إنترنت...الخ). وتستحوذ واحدة فقط على مجمل وسائل الإعلام الناطقة بالفرنسية، ومثلها على وسائل الإعلام الناطقة بالإيطالية.
وعلى أساس قاعدة "السمك الكبير يلتهم السمك الصغير"، توقعت الدراسة أن تواصل المؤسسات الإعلامية الكبيرة "ضمّها" للصغيرة، لكنها حذرت قائلة إن ذلك سيكون على حساب مبدأ التعددية، والتنوع في الرأي، وأيضاً المبدأ الأخلاقي بالحق في الاطلاع على المعلومات من مختلف وجهاتها.
وقالت الدراسة: إن جدية مسؤولية الكلمة في الصحافة المكتوبة، وعلو مصداقيتها، وخضوعها لقوانين والتزامات رسمية ومعنوية وأدبية، ساعدها على مواجهة التحدي التنافسي الذي فرضته عليها وسائل الإعلام الحديثة، "لكن ما زال أمام الصحافة أن تنتظر بضع سنوات صعبة أخرى قبل أن تعبر بسلام عتبة التحدي".