الإنسان كائن حي اجتماعي، يميل إلى تكوين مجموعات، يشعر معها بالأمان، ذلك ما أكده باحثو علم الاجتماع، وعند النزول إلى تجمعات الشباب المعروفة محلياً في جميع البلدان العربية بالـ"شلة"، وجدنا أن هناك شباباً لا يقدرون على الحياة من دون هذه الـ"شلة" والتليفونات والرسائل والمتابعات التي لا تنتهي طوال اليوم، ومما زاد من انتشار مفهوم "الشلة" عند الشباب الإنترنت الذي طور المفهوم، ليصبح المسمى الأكثر انتشاراً الآن هو "الجروب"، مع جروبات الصداقة على الإنترنت العالم الافتراضي، كما يحلو للبعض تسميته، وعلى أرض الواقع.


شارع التحلية

هناك الكثير من الشوارع المشهورة جداً بالتجمعات الشبابية، مثل شارع التحلية الذي يعتبر الشارع الأشهر "شبابياً" في الرياض، حيث يكثر هناك الشباب "الشلة" من مختلف الطبقات والمستويات الاجتماعية، لكنه يبقى الشارع "الذكي" لأنه يجمع أيضاً العالم الافتراضي، فحين يحمل الشاب معه حاسبه المحمول "اللاب توب" يستطيع استعمال الإنترنت في هذا الشارع من دون أي صعوبة.

في هذا الشارع روح الجماعة، أو الـ"شللية" بالمفهوم الشبابي، فتجد كل غريب وجديد، ولكل شلة طاقمها من الأفراد والسيارات والتجهيرات، بعض هذه "الشلل" لا يقبل أفراداً جدداً، وبعضها يقبل دائماً صاحب "الصرعة" الجديدة، أو الفكرة أو "الهوس" الذي يمثل عند الكثيرين "التميز".

يرفض الطالب الجامعي رياض العريفي أن يكون أسيراً لـ"شلة" واحدة دون غيرها، مفسراً ذلك بقوله "ذلك يقيدني، فأنا كثير السفر إلى خارج المملكة، إما للدراسة أو للعمل، ولو ارتبطت بـ"شلة" واحدة دون غيرها، فلن أقدر لا على السفر، ولا على الدراسة، لأني سأكون مرتبطاً بهم، كما أرى بعض أصدقائي إلى أي مدى هم مرتبطون ببعضهم يذهبون إلى أي مكان مع بعضهم، ويسهرون ويسافرون، كل شيء لابد من القيام به معاً.

ويذكر أحد الطلاب الذي رفض ذكر اسمه، ويتواجد بشكل دائم مع "شلة" من زملائه في إحدى القاعات الدراسية، أنه لا يستطيع التأقلم مع أصدقاء جدد بسهولة، لاعتياده على مجموعة محددة ترافقه منذ الصغر، ويؤكد أن "شلته" التي تربطه بها علاقة صداقة قوية، لأنها تكونت طوال سنوات طويلة رغم عددها القليل، إلا أنهم يجمعهم المستوى الاجتماعي والمادي الواحد، يقول "لو قررنا السفر إلى أي مكان، فلا نواجه صعوبة أن أحدنا لا يملك ثمن تذكرة الطائرة مثلاً، وهكذا الأمر في كل تصرفاتنا التي نقوم بها".

وعن نهاية الأسبوع، ومكان تجمعهم، أكد أن"شارع التحلية هو ملجؤهم الوحيد، رغم أن الشارع يطفئ أنواره الساعة الثانية عشرة مساء، إلا أننا نبقى في الشارع مع موسيقى كاسيت السيارة، ونمضي الوقت سعداء بتواجدنا بهذه الحرية، ولا نذهب إلى بيوتنا إلا في وقت متأخر جداً، وتقريباً كلنا نعيش في أحياء متجاورة جداً، فلا مشكلة في التأخير".


"شيشة" خارج الرياض

جماعات كثيرة من الشباب تذهب إلى شارع التحلية، وجماعات أكثر تذهب إلى المقاهي التي تفتح أبوابها حتى ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي، وهي بالطبع تكون خارج الرياض، لكن نظراً لطول المسافة، فلابد أن تجتمع الـ"شلة" لتقرر الذهاب إلى هذه المقاهي، إما شمال الرياض، أو شرقه، ذلك ما أكده إبراهيم المهيني الذي يرفض الانضمام لمثل هذا النوع من "الشلل"، لأنها في رأيه لا تجلب إلا المشاكل، فالشباب الذين يذهبون إلى هذه المقاهي لا يذهبون إلا لتدخين الـ"شيشة"، ويقول "مثل هذه التجمعات أرفضها، ولا أحب أن أكون معهم فيها، وكثيراً ما دعاني أصدقاء لي للخروج معهم في عطلات نهاية الأسبوع إلى مثل هذه الأماكن وكنت أنا الذي أرفض".





الاستراحة "الحل"

لا يتوقف المشهد عند المقاهي الموجودة خارج الرياض فقط، بل يتطور الأمر إلى استئجار المجموعة نفسها "الشلة" استراحة خاصة بهم، طوال العام يذهبون إليها في أي وقت، ويمكن لأي واحد فيهم أن يصطحب معه صديقاً من أصدقائه، لكن في غير أوقات تجمع "الشلة"، فهذا وقت خاص بهم وحدهم، ذلك ما أكده مهند العليط، موضحاً أن جو الاستراحة "غير"، وذلك بسبب الخصوصية التي ينعمون بها طوال العام، وتعتبر أرخص من الذهاب إلى تلك المقاهي، ففي الاستراحة القنوات الفضائية، والشيشة، واللعب، بالإضافة إلى أنها ليس لها مواعيد تغلق فيها، يقول مهند "نحن مستأجروها أصحاب القرار فقط، نغلقها على أنفسنا، وننام فيها لو تأخر علينا الوقت، لكن تبقى "الشلة" متماسكة مترابطة دائماً".


"شللية" حريمي

ما بين شارع التحلية والمقاهي خارج الرياض، تبقى "شلل" الشباب حاضرة، لكن على الجانب الآخر هناك عدد من الفتيات لهن "شللهن" أيضاً، ويفضلن تمضية الوقت معاً، لكن تختلف الميول والأهواء في هذه الحالة، فغالبية الفتيات في المملكة يفضلن الخروج للأسواق التجارية، أو "المولات" لتمضية الوقت، لكن ليست لديهن الفرصة للسهر مثل الشباب، لكنهن أكدن أن الـ"شلة" متواصلة دائماً عبر الهاتف، وعبر الـ"بلاك بيري" طوال اليوم، وكل يوم.

وتؤكد سارة، (موظفة) أن "المجتمع النسائي في المملكة يغلب عليه حب المظاهر حتى في العلاقات الاجتماعية، فغالباً ما تحرص الفتاة على الارتباط بمجموعة يغلب عليها الرخاء المادي، ويكون معظم أعضائها من ميسورات الحال".

وتشير روان (طالبة) إلى أن مشكلات النساء كثيرة، بسبب المظاهر وأحدث صيحات الهواتف النقالة، والعبايات، وما إلى ذلك من أمور قد تقطع العلاقات بين النساء أو الفتيات ببعضهن ، وليست هناك صداقة حقيقية في عالم النساء أبداً، أنا لا أصدق ذلك، بل هناك "غيرة" وحسد أحياناً، لذا فعلاقات "الشللية" كثيراً ما تنقطع لتتجدد أخرى، وهكذا".