لم يكن يوم السبت الموافق الرابع والعشرين من ذي القعدة يوما عاديا، بل كان يوما حزينا عندما أعلن الديوان الملكي نبأ وفاة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

سلطان الخير أمير أحبه الصغير، واحترمه الكبير، وعطف على الفقير، وبرحيله فقدت المملكة العربية السعودية رجلا وهب حياته لخدمتها، وبذل كل ما بوسعه لتطورها، فهو رجل أمضى عمره كله لخدمة دينه، ووطنه بإخلاص، وتفان.

كان أمير الإنسانية يتمتع بنظرة أبوية شاملة، فشملت مشروعاته الخيرية جميع مناطق المملكة، ففي الشمال نجد له مشروعات، ومؤسسات خيرية، وأخرى في الجنوب، ولم ينس ـ رحمه الله ـ شرق الوطن من مشاريعه الخيرية، وكذلك غرب المملكة كان له نصيب من المشروعات، والمراكز الخيرية، فعندما يزور أي منطقة من مناطق المملكة تجد أنه يهتم بها، وبمشروعاتها، وكأنها المنطقة الوحيدة لديه، ولا توجد منطقة أخرى، وهذا دليل على حبه لجميع مناطق المملكة، وأهلها.

ولم يقتصر الأمر على المشروعات الكبيرة فقط، بل إن مبادراته، وأعماله الخيرية وصلت إلى المستوى الأسري، فكان يقوم بدور الأب، أو العائل للأسرة التي فقدت عائلها، ويقول: "أنا أبوكم"، وهو يعني ما يقول، وشملت مكرماته المرضى من كافة مناطق المملكة، ومن خارجها، فأمر بعلاج كثير من المرضى الذين ضاقت عليهم السبل، فكم من مريض تعافى بعدما أمر سلطان الخير بعلاجه في الداخل على حسابه، أو في الخارج، وهنيئا له بالدعوات الطيبة، والصادقة من هؤلاء المرضى، أو المضطرين، وكم من فقير، أو محتاج، أو مديون، أو مكروب فرّج سلطان الإنسانية كربته، وقضى عنه دينه، وكم من أسرة لا تملك بيتا يحميها من برد الشتاء القارس، ومن حرارة الصيف وفرت لهم مشاريع الأمير سلطان الخيرية للإسكان السكن الحديث، والمريح، والمؤثث الذي يحميهم من الظروف البيئية القاسية، وكان له العديد من الأعمال الخيرية في الداخل على مستوى المؤسسات التي تعنى بالجوانب العلمية، والصحية، والثقافية، والاجتماعية، والتقنية، وغيرها من الجوانب التي لا يمكن أن نحصرها، ولن يستطيع أحد أن يحصيها لكثرتها، ولتنوعها. لم تكن أعماله الخيرية مقصورة، أو محصورة على المملكة، بل وصلت إلى مختلف دول العالم، فكانت له إسهامات عديدة ـ رحمه الله ـ في إنشاء العديد من المدارس لتعليم أبناء المسلمين في بعض الدول، وإنشاء الكثير من المراكز البحثية، والأكاديمية، والطبية في دول أخرى لا يمكن ذكرها أو حصرها جميعا في مقال صحفي، كما كان له دور واضح في تأسيس العديد من المراكز الإسلامية، والمساجد، فله في كل منطقة من مناطق المملكة، بل على المستوى الإقليمي، والعالمي له وقفات طيبة، وعطاءات خير لن يحرمه الله من أجرها وثوابها، إن شاء الله تعالى، فقد قال عنه ـ رحمه الله ـ صاحب السمو الملكي الأمير سلمان "إن سلطان جمعية خيرية تسير في كل مكان".

ولقد رحل سلطان الخير والعطاء عنا، وغيبه الموت، ولكنه في قلوبنا لن يغيب، وهو باق، لأن أعماله الخيرية، وإنجازاته على مختلف الأصعدة باقية، ومستمرة، وستحمل اسمه ما دامت الحياة، وسنظل نذكر سلطان، وستذكره الأجيال القادمة من خلال أعماله، وما قدمه لهذا الوطن، ولغيره من بلاد العالم، وفقده ليس على الشعب السعودي فقط، بل على دول العالم التي امتد خيره إليها، وعطاؤه إلى شعوبها، وسيظل الأمير سلطان في ذاكرة شعبه, وكثير من شعوب العالم. فالمتتبع، أو الباحث في تاريخ سلطان العطاء، والوفاء ـ رحمه الله ـ لن يتعب كثيرا في البحث عن معلومات، فهي متوافرة وبكميات كثيرة، وسجله وخبراته الإدارية، والإنسانية، وغيرها من الخبرات المتعددة حافلة بكثير من الإنجازات، بل قد يتعب كيف يصنفها لكثرتها، ولتنوعها. وبرحيل فقيد الأمة نقدم التعزية لمقام خادم الحرمين الشريفين، والأسرة المالكة، والشعب السعودي، والأمة العربية، والأمة الإسلامية، والعالم. نرجو من الله العلي القدير أن يعظم أجر أهله، وذويه، والشعب السعودي، وأن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يتغمده بواسع رحمته. وإنا لله وإنا إليه راجعون.