منذ الآن سيكون القابع على ربوة المتغيرات العربية في وضع ملتبس يتيح فرص التأمل ويقود نحو الحيرة أكثر مما يسمح بالشهادة على شيء، وكما لو أن الذي يجري نوع من الزلازل العنيفة فاتتها حاسة التنبؤ لدى نوع من الكائنات المشهود لها بجس اعتمالات الأرض حين تمور تحت أقدام الكائنات الحية.

كم كانت الأمور واضحة القرائن بينة الدلالة على أن شيئاً بل أشياء عديدة تتفاعل على سطح الأحداث وتبعث رسائلها لمعتمري الدرجة الأولى من رجالات حكم ومتخذي قرار بعضهم أحسن النطق في اللحظات الأخيرة والأرض تخرج أثقالها والهتافات الناقمة تشق عنان السماء والبعض الآخر لم ير النار من مستصغر الشر وكما هو دأبه في المكابرة لم يلحظ قذائف الناتو تتعقبه على حين ظلت نظرته الساخرة من الجرذان على حالها ليتحمل بنفسه مسؤولية إثباتها.

الرجل الأول في هذه النظم لا يقبل الاعتراف أو التعرف على مستجدات تخالف رأيه ولا يحسن التعامل مع المتغيرات المتعارضة مع تقديراته.

هو دائماً مصدر الإلهام وتجلياته حاضرة المثول وكل الإمكانات مسخرة لدحض ما يجرحها أمام الجماهير.. ومن أغرب طباعه تلقين مستشاريه الأمناء دروساً في النباهة وعادة ما يكون هؤلاء في وضع المعتذر عن رأي راشد ومشورة مخلصة.

عادة ما تعنى بعض الأنظمة المؤسسية برصد توجهات الرأي العام واستطلاع ومتابعة الآثار السلبية للسياسات العامة وقياس أضرار هذه السياسات على مصالح المجتمع بحيث تتمكن الأجهزة من إيقاظ النظام للقيام بدوره في معالجة مشاعر الاحتقان السياسي ووضعه في صورة التطورات وتمنعه من الخلود للراحة قبل القيام بواجبه في درء المخاطر واتخاذ التدابير الكفيلة بحماية السلام الاجتماعي وتحقيق سيادة القانون وتوظيف وربط الصراع السياسي على السلطة بمصالح الوطن والشعب وهو الأمر الذي يعزز لحمة الشعوب المتحضرة ويحملها على التماسك في مواجهة أعتى المخاطر قوة وأكثر التحديات ضراوة..على حين تبدو هذه النظم وكأنها مارست حكم الغفلة وغيبت العقل الجمعي لصالح سلطة الفرد الأعزل الذي يعيش حياة الغابة بقوانينها المتوحشة، لا تحيطه مصادر معلومات حمائية ولا تلتف حوله صداقات نزيهة لدرجة تثير الشفقة على مآلاته التي ينتهي إليها وكما لو أنه لم يسمع بمفردات مثل (الحياة، الحرية، الدولة، المجتمع، القانون، العصر، الديموقراطية، التداول، العولمة) مثـلما دلت الوقائع سماعه مفردات أخرى (الانقلاب، القمع، الأسلحة الفتاكة، الجرذان)..

لهذا يمتلك الواقف على ربوة المتغيرات في مختلف البلدان غير العربية إمكانية الحكم على كنه التغيير واتجاهاته وتصبح شهادته على أداء الأطراف وعلاقتها البينية ضمن عوامل الدفع بهذه الأبعاد إلى الأمام في ظل سيادة مفاهيم مجمع عليها تقصر الصراع السياسي بين السلطة والمعارضة على البدائل الأمثل والأداء الأفضل والوسائل الأجدر نجاعة والأوفر حظاً على صعيد تحقيق الأهداف المشتركة.

تعاجلك الأنباء بحالة تعقل – اضطرارية – انتهى إليها النظام التونسي الذي قرر المغادرة بأقل الخسائر ليلحق به رأس نظام الحكم في مصر وحيال هذين النموذجين يتبادر إلى ذهن المراقب أثر تغييب العبرة والعظة لدى الديكتاتوريات التي ما تزال تستعصي على تلبية مطالب شعوبها ليبرز السؤال الفاجع.. ألم يكن الأحرى بحاكم طرابلس الإفادة من أخوين – لا أخ واحد – أُكلا قبله..

تؤكد شواهد الحال أنه لا فائدة من الرهان على نرجسية المستبد ولا سبيل لوقف مكابراته وما من حيلة توفر الأرواح أو تدخر الدماء ولو كان هذا ممكناً لتدارك العقلاء أمثلة على ذات الشاكلة وتمضي لنفس المآل..

على أن رؤية المشهد من زاوية أخرى تبدو اليوم ممكنة لكنها تلقي المرء بين يدي حيرة بنفس مستوى سابقتها.. فالحديث عن التغيير وتأكيد الحاجة الملحة له ومساندة دعاته يكاد يكون محل جدل جديد تثيره الممارسات المنفرة..

كيف يثبت الجديد أنه كذلك طالما يده لا تبارح قفاز الماضي بإرثه وممارساته ولوثاته المطبوعة على صفيح ملتهب.

ينتابني قلق فاجع كلما استحضرت مشهد الرئيس المخلوع حسني مبارك مسجى على فراش المرض وسهام الأسئلة تنشب في أضلعه.. أكانت العدالة محل اشتباه بثوريتها حتى تكون على هذا النحو من القوة والصرامة أم أن التغيير يفقد بريقه إذا عجز عن وضع العدالة على شفرة الانتقام؟

نتذكر صخرة (سيزيف) في صحبة القادم على ظهر جرح نازف يسم التغيير بالفجاجة ويدفعنا لتوقعه قناعاً يتخفى به فارس مغوار يوجه رصاصته الباسلة إلى صدر أسير ينزف جسده بالدماء.

كل شيء يمكن تأوله والاجتهاد في تمحيصه إلا أن يكون الذي يحدث باسم التغيير تغييراً.

لعلنا إذاً إزاء واقع يقاوم التغيير بمنطق الحداثة ويأبى إلا أن يكون في معظم حالاته عناوين متفرعة بين دفتي كتاب واحد تستلهم منه قيم الخصومة والثأر.

ترى..هل ينقدنا الماضي عملة مقبولة التداول ونركب قطار المستقبل أم يلزمنا الانتظار ريثما نتحقق من جاهزيتنا للانطلاق.