5 / 1 / 1931 للميلاد

كُتب في التاريخ سطر لميلاد عنوان جديد اسمه (سلطان)

لم ينس تدوينه كما فعل مع غيره من كبار من مروا على الحياة

فقد كتب بعد سطره ذاك، أسطراً ليست كأية أسطر

حين تراه يتملكك شعور الحب.. بدون مواربة..

يقترب.. من حدة الزمن يأتيك مشتملاً بسمته

لم تغب قط عن تضاريس وجهه

وحين تتكتل قبله الدنيا، يراهنها بابتسامته العريضة

كأنه يسخر من سخرية العثرات..

فقد أدرك "لا تغضب.. لا تغضب.. لا تغضب.. وإذا غضبت.. لا ترضى"

لا تغضب.. ليستعيد طفل براءةً تذرعت الحياة عن ملاقاته حيناً

لا تغضب.. لتكتب عدلك كبيراً كل حين

لا تغضب.. لتعلم الأنحاء قوة الرجال، وترسم الخيل للزعماء،

وإن غضبت.. فلا ترضى

هكذا أراد له (الفيصل يرحمه الله) حين أوجز له عظمة الملوك وأخلاقهم.

هكذا درس الكبرياء على يد العظماء..

ما بارحته يوماً ولا غابت عنه في الصدر لحظة

فما انفكت هامة السلاطين في إطلالته حتى الرئتين

وما صد يوماً عن وجوه الآخرين

فما زال باذخاً في الحب حتى أخذ الله أمانته

وما راغ عن بسطة يديه إلا قليل من العابرين

خانهم زمن للمواعيد.. بليد

لم يحالفهم زمن كان سلطان البسمة فيه سيداً في (كف سلطان).

فاته من فاته.. فما أتعس من فاته (سلطان).

من مسماه.. كبيراً ولد كاليقين يتنفس اللغة العظيمة

واسعاً كالجهات الرحيبة.. ودوداً كابتسامته

فصيحاً كوجهه الفاره في التعابير والمحبة

كريماً كأمطار الجنوب والسراة

زعيماً لا يعرف اليأس المقيت

تعرفه وأنت في غمرة نوايا الضالين.. يسخر من أثر الغارقين في التيه

لأن بين أقدار بعضهم.. رجلاً تتعثر وتتكسر قبالته نوايا الخزي.

هل كان أن مروا من أزقة أوصدها؟

ليس حتى في أحلامهم قد انتصرت نواياهم..

إذ تموت قصة حبائلهم، عند قامة زمنٍ تأدب على (كف سلطان).

.. وحين يتبعثر الأشقاء في أودية الحروب والتيه

وتكثر الأحاجي.. تأتيك الرؤيا بابتسامة (سلطان) العظيمة.

يموج الخليج ويغضب.. يضج بالمتلاطمات.. يتأرجح..

ثم يعود ليخجل من وحي (سلطان).

العظماء لهم في قصة الأحداث بصمات لا بصمة

اليمانون يعرفون ذلك..

لو كان قد أسعفته الحياة قليلاً، لاقترح لهم غصن زيتونة بكرا

تبرأ من أوراقه الغضة جراحات أزمنة الضباب

ولانتخب لهم نخباً من ابتسامته

ليسطروا بين أسطرهم تاريخاً من العشق في (كف سلطان).

ويشهد بنو يعرب لقامته، وقلبه المتناغم، وراياته البيضاء

ما كان إلا نعمة لم تسترح والأشقاء يختصمون

في كفه عهد إذا ما أعلنوا عهداً أبر به

حتى تناقل الباقون عن متنه الذمم

إذ حان يومٌ ليس في وسع الحياة أن تنساه

ومن يقين العمر لا من أهونه

قالها شيخ على رأس أشهاد الجنوب

خذ ورقتي ثم دون يا بُني..

رُحت أكتب..

عارفاً بالحب كان.. ذلك الشيخ الجليل..

شاهد النعش وعيناه تموجان ببحر من توالي الذكريات

تمتم في ذهول.. آآآآآه.. يا صديق الذكريات

لم يرفع عينيه عن شاشة التلفاز.. لم يكن بيننا حينها

كان هناك بكل مفردات هناك

كنا نرى صوراً معبرة مهيبة، وكان الشيخ يرى غير ما نرى..

كان كل ما فيه يرتجف.. كنا جلوساً

وكان الشيخ واقفاً لم تغره المقاعد كما هي عادتها

في عينيه صور من تاريخ قصة.. ليس سواه يعرفها

يرى الوقت موتاً، والأرض زوراً، والسماء مزحة..

يقترب من فتحة التلفاز.. على بعد متر وقف.

يا إلهي.. أي يومٍ أنا فيه.. كانت في قلبه ياسمينة تتهيأ للرحيل

راقب أكثر غاب عنا وراح راااااح.. هناك في عالم صديقه

مد يديه للتلفاز يتحسس النعش.. تنهد تنهد

حاول لكنه أدرك أنه ليس هناك.. منكسراً

يراقب نعشاً تتناقل أطرافه الأربعة أكتاف الإخوة والأحباب وجحافل المودعين

لم يصمت.. لم يتوقف فمه عن الدعاء والترحم والدمع المهيب

ليتني بينهم.. هكذا تمنى الشيخ.. وهكذا تمتم ولم

ليتني معكم لأحمل تاريخ ذكرياتي

ليتني أيها المبارك نعشكم ألمس أطرافه.. ليتني

عبرة يحبسها وقار الشيب والشيخ والرجل في روحه قد تهيأ

قال: كم كان عطوفاً صاحبي

قال: كم كان نبيلاً صاحبي

قال: كم كان أميراً، ملكاً، سلطاناً، وأخاً يملأ أرجاء زماني..

قال وقال.. حتى أجهش بالبكاء.. فأبكى الحاضرين

ثم قال: يا لحبك يا سيدي.. يا لحبك يا أمير..

يا لك من مقصد للتائهين.. فأجرني من فراق الأصدقاء

صاحبي..

أودعتك الله من روحي يا سيد البيد

أودعتك الله يا بيرق العز، يا مجدي، ويا تاريخ أبنائي، وميدان أحفادي ..

أودعتك الله من قلبي يا قصة الخير والطيبين.