من أكبر مصائب الإنسان أن يصل إلى مرحلة من الوهم تجعله يعتقد أنه يستطيع استغفال الجميع من خلال تقمص أدوار ليست له، مع الحرص على إصباغ الألقاب المجانية على نفسه دون رادع أو حياء. وإذا كان العقيد الليبي الراحل (الذي أفضى إلى ما قدم) معمر القذافي قد سلك هذا الطريق في حياته السياسية التي انتهت نهاية مأساوية، فإن الساحة الثقافية العربية قد أبتليت بنماذج كثيرة لا تبتعد كثيرا في طروحاتها وأوهامها الذاتية. فأحدهم ينصب نفسه رئيسا لجمعية عربية وهمية، متخصصة في مجال الترجمة كما يقول. وبعد أن أمطر المجموعات البريدية برسائل الدعوة إلى تلك الجمعية التي قد يكفي للحصول على عضويتها أن تسجل اسمك في فضاء "النت" ثم تنضم للمماحكات الشخصية التي يفتعلها الرئيس المفترض، فمن يختلف مع فخامته في جزئية لا تذكر، يطرد من "الجمعية" الوهمية شر طردة، بل لا يقتصر الأمر على ذلك، فالتشهير وفضائح "العمالة" جاهزة، وسيعلم القاصي والداني بقضية "العضو" المتمرد مع الرئيس المتسلط، وسيتم إزعاج ملايين البشر بهذه القضية بعد الحصول على عناوينهم الإلكترونية دون وجه حق.
أما على مستوى ساحتنا المحلية، فإن نظرة سريعة على بعض الأحداث الثقافية المحلية خلال الأشهر القليلة الماضية، وخصوصا انتخابات الأندية الأدبية، تكشف عن واقع بعض الشخصيات التي تعشق اقتحام أي مكان، حتى وإن لم يكن هذا المكان قريبا من اهتمامها، وذلك على طريقة عضويات اللجان لدينا، حيث لم يعد مستغربا أن تجد مهندسا معماريا على سبيل المثال، عضوا في لجنة تهتم بموضوع تاريخي، فالمهم عند هؤلاء أن يملؤوا سيرهم الذاتية بالعضويات والمشاركات، وغالبا تجد مشاركة هؤلاء على طريقة (لا أسمع لا أرى لا أتكلم) بل أبصم بالعشر مع الباصمين. فكم من دخيل على الأدب بل وعلى الثقافة بشكل عام، استغل ما توصف بـ"الثغرات" في لائحة الانتخاب، فدخل الجمعية العمومية بتزكية الأصدقاء و"الشلة" في المجالس السابقة، والبعض رشح نفسه لمجلس الإدارة (بقوة وجه غريبة) مع أنه يعلم قبل غيره أنه ليس صاحب المكان ولا الزمان، ولكن الأمر في نظره فرصة، قد لا تتكرر فلماذا لا يستغلها، فعضو مجلس إدارة ناد أدبي أكثر جاذبية اجتماعية من عضو في لجنة تهتم بالتعديات على الأراضي مثلا.
أما في ساحة الإنترنت فيكفي أن تطل على موقع "فيس بوك" أو حتى بعض المواقع والمنتديات المعنية بالثقافة والأدب، لترى كم هؤلاء مهووسون بتزكية النفس ولبس الألقاب المجانية.
تلك نماذج قليلة من ثقافة "قذافية" لم تجد ثوارا حتى الآن؟.