ونحن على أعتاب ميزانية جديدة للدولة يتساءل المواطن: كم نسبة الإنجاز في مشروعات الميزانية السابقة؟ وهل هذه النسبة تتناسب مع خطط تنفيذ المشروعات التي تضمنتها الميزانية؟ ثم هل يتناسب التنفيذ مع السنة الثانية من الخطة الخمسية التاسعة أم أن هناك تأخيرا؟ هذه أسئلة مهمة يجب طرحها إذا كنا جادين في تنفيذ مشروعات الميزانيات وإذا كنا نريد تنفيذ خطط الدولة الخمسية؟ والسؤال الكبير هو: هل هناك خطة عمل Action Plan لتتبع سير تنفيذ مشروعات الميزانيات؟ بمعنى هل نعرف كل عام نسبة التنفيذ من المشروعات ونسبة التأخر وأسباب التأخير ومن المسؤول وما هو الإجراء المتخذ؟ وهل تم التعامل مع أسباب التأخير حتى لا تتكرر؟ وهل تم تفادي هذه الأسباب لاحقاً بالاستفادة مع نتائج التقييم؟ إذا لم تكن هناك خطة عمل لتتبع سير مشروعات الميزانيات من جهة محايدة فإن المعاناة من استمرار تأخر تنفيذ المشروعات وبالتالي عدم صرف بندود الميزانيات ثم بالتالي تأخر تنفيذ الخطط الخمسية سيستمر، لتكون النتيجة المراوحة في التعامل مع قضايا الإصلاح والتطوير في كافة مجالاتنا التنموية.

لا ينفع أن تقوم الجهة نفسها بكتابة تقرير عن نفسها. والجهة المحايدة أيضاً يجب ألا تكتب قصة جميلة، بل تورد شواهد وأدلة وأمثلة من الواقع على الإنجاز وعلى الإخفاق. والسؤال: من يقوم بعمل التقييم ووضع خطط العمل لمشروعات الميزانيات؟ والاقتراح أن تُشكل لجنة من وزارة التخطيط والمالية وهيئة الرقابة كلجنة عامة تستعين بفرق عمل لجمع المعلومات الخاصة بخطط عمل المشروعات، والخروج بنتائج توضح بدقة ما نود معرفته عن كل مشروع: نسبة التنفيذ، ونسبة التأخير (إن وجدت) وأسباب التأخير، والمسؤول عنها، والحل، والمسؤول عن الحل ومتابعة الحل، وهل تم التعامل مع المشكلات والمعوقات بنجاح أم لا، وهل تم الحل في التاريخ المحدد. ثم معرفة نسبة التنفيذ لكل وزارة ومقارنة نسبة الإنجاز والتأخير بين كل وزارة وأخرى، وإعداد تقرير سنوي يتم رفعه لولي الأمر وتنشر نتائجه في الصحف. هذه الجهات التي تتشكل منها لجنة إعداد خطط العمل ليست جهات خدمية بل تُعتبر مستقلة، وهي معنية بالمشروعات إن دعماً وإن تخطيطاً وإن مراقبة. صدقوني سنرى فرقاً، وفرقاً كبيراً. نحن في السنة التاسعة في خطط التنمية، وهناك مشروعات متعثرة في الخطط السابقة نتساءل كم نسبتها وكيف تم التعامل معها.

أرقام الميزانيات والخطط تكشف أن هناك مشروعات ضخمة في مجالات التنمية كالتعليم والصحة والإسكان، وتتبعها مشروعات كبيرة في الطرق وخدمات النقل وغيرها من الخدمات التي يجب أن تنفذ في وقتها وتنعكس إيجابياً على حياة المواطن ومعيشته ورفاهيته، ليرى المواطن اختلافاً كبيراً بعد تنفيذها، ويلمس الاختلاف في نوع الخدمات المقدمة له بعد انتهاء كل خطة، واكتمال تلك الخدمات التي أشارت إليها الخطة لتعقبها بإذن الله خطط طموحة قادمة وخدمات أفضل مستقبلاً، نظراً لما نعيشه في بلادنا والحمد لله من مستوى اقتصادي متميز يكفل لها تحقيق ما يصبو إليه المواطن، وما يطمح إليه من الخدمات التي تتواءم مع هذا المستوى الاقتصادي، وعندما يرى المواطن أرقام الميزانيات المرتفعة فإنه سيسر، لأنه سيستمتع بمستوى خدمات متميزة تتناسب مع حجم الإنفاق.

هناك إشكاليات كثيرة متعددة الأسباب ومختلفة الأشكال، منها عدم تحقق أهداف الخطط الخمسية لسوء التنفيذ، ومنها عدم تنفيذ تلك الخطط بعدم التنفيذ أصلاً .. ومنها عدم التنفيذ بسبب البيروقراطية. هذه الإشكاليات يجب أن تكشفها خطة عمل المشروعات المتضمنة شواهد على نوع المشكلة وأسبابها والمسؤول عن حلها والوقت المعطى للحل وهل تم تنفيذ الحل ولماذا. خطة عمل المشروعات مفهوم متقدم يكشف الخلل ويعالجه بشكل علمي دقيق.

خلاصة القول أننا أمام مشكلة كبيرة تكشفها نسبة التنفيذ في الخطط الخمسية، ويكشفها وجود مشروعات في خطط سابقة لم تنفذ، وتكشفها مشروعات متعثرة. والمشكلة الكبيرة الأخرى أن هذا الأمر يتكرر دون وجود مبرر لتكراره، والسبب هو أننا لم نضع أيدينا بشكل علمي على المشكلة لمعرفة أسبابها ومن ثم الحلول التي تضمن حلها.

هنا أقدم مقترحاً علمياً يتمثل في تشيكل لجنة من الجهات التي ذكرتها تستعين بمن ترى لتشكيل فرق عمل، وإعداد خطط عمل عن كل مشروع بالتفاصيل المذكورة أعلاه، ينتج عن خطط العمل تلك تقارير علمية مبنية على شواهد وأدلة وأمثلة، وليست مبنية على آراء وانطباعات. كل تقرير يكشف المشكلة والمتسبب والحلول والوقت المحدد للحلول، وإذا تم تنفيذ الحلول أو لم يتم ومن المتسبب أيضاً. يضع كل تقرير وبشكل علمي أيضاً كل جهة أما نسبة حقيقية لما أنجزته من مشروعاتها وما لم تنجزه، ثم يضع مقارنة بين كافة الوزارات والجهات للمقارنة بينها بنسبة الإنجاز في مشروعاتها. لا أظنه من المناسب أن نبقى أمام هذه المشكلة بشكل مستمر ونناقشها كل عام ونطرحها في الصحف ثم أخيرا ننتهي وكما نشرت الصحف بتهديد لجنة مكافحة الفساد الجهات الحكومية. لا بد أن نبحث عن حلول علمية فاعلة. وهذا واحد منها أرى أنه سيساهم في حل المشكلة. إنها صدمة كبيرة للقيادة والمواطن عندما يسمع عن مشروع عملاق وضع في الخطة ورصدت له المبالغ الكافية ولم يتحقق أو تحقق بمستوى مترهل..

هذه الأموال الطائلة والمشروعات الضخمة والخطط الطموحة ينبغي أن يسايرها نظام علمي دقيق وشفاف، نعرف بالضبط حقيقة الأمور كما هي على أرض الواقع، لا لنعاقب ولكن لنضمن تنفيذ المشروع.

تكشف لنا الشواهد عن حقيقة تلك المشروعات. لا أظن أن أحداً يعتقد أنه من المناسب أن نبقى سنة بعد أخرى نشكو تأخر المشروعات ونشكو تعثرها ونشكو بطء تنفيذ خطط التنمية. القضية ليست فقط قضية محاسبة وتطبيق عقوبة، القضية يجب أن تتعدى ذلك بالبحث عن أساليب تكفل لنا تنفيذ خططنا ومشروعاتنا الإصلاحية والتطويرية وصرف اعتماداتنا فيما خُطط له، ليعود ذلك خيرا ونفعاً على الوطن والمواطن.

لا أظننا نشكو عدم تطبيق نظام، ولا يجب التركيز على هذه النقطة بل نتعداها لفعل ما يكفل تنفيذ خططنا ومشروعاتنا، وإلا فإن الخوف على ميزانياتنا وخططننا سيبقى قائماً.