ترددت كثيرا في الكتابة عن موضوع اتهام الحكومة الإيرانية بمحاولة اغتيال سفير المملكة في الولايات المتحدة الأميركية. مصدر التردد عدة أسباب، أهمها أن الإعلان عن محاولة الاغتيال جاء على لسان وزير العدل الأميركي، وموقفي كان ولا يزال دائما أخذ الحيطة والحذر، بل والريبة في كل ما يصدر عن الإدارات الأميركية المتعاقبة. وكانت الصورة الكاريكاتيرية في هذا السياق هي الاتهامات الأميركية التي وجهت إلى العراق بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وعلاقة مفترضة لحكومة عراق ما قبل الاحتلال مع تنظيم القاعدة. وقد كانت هذه الاتهامات هي الذرائع التي بموجبها أعطى الأميركيون لأنفسهم الحق باحتلال العراق، وتأكد لاحقا بطلان تلك الذرائع.
السبب الآخر، هو الشراكة الأميركية للإيرانيين في تفتيت العراق، وتقديمه على طبق من ذهب للقوى الطائفية لتمارس البلقنة والتفتيت، ولتلغي الدولة الوطنية وعناصر التاريخ التي استمد منها أرض السواد حضوره لحقب طويلة، وتأسيس كيان هزيل يستند على القسمة بين الطوائف. ولا يزال الجرح ينزف بقوة فيما بين النهرين، كما أن التنسيق بين الإيرانيين والأميركيين لا يزال على ما هو عليه، بل إن إيقاعه يتضاعف أمام الإعلان عن اكتمال سحب الأميركيين لقواتهم بنهاية هذا العام.
وتبادر إلى الذهن أيضا، السياسات الإيرانية، التي اتسمت بالبراجماتية طيلة العقود الأربعة المنصرمة، فيما يتعلق بعلاقتها بالغرب. كيف يستقيم المنطق أن يضاعف الإيرانيون من مشاكلهم، وأمام مجلس الأمن ملفان ساخنان لهما علاقة مباشرة بإيران: الأول الملف النووي الإيراني، والثاني، المحكمة الدولية لقتلة رئيس الوزراء اللبناني السابق، السيد رفيق الحريري. هل من المنطقي أن يضيف الإيرانيون ملفا أمميا جديدا ويسهموا في تعقيد أكبر للمشاكل التي يواجهونها مع العالم؟.
كلام منطقي إذا وضعناه في السياق الذي عرضناه، ويأتي في مجمله لصالح إيران. لكن ماذا لو سلمنا بمصداقية الاتهام الأميركي؟. أليس من الخطأ الركون جملة وتفصيلا، لنفي التهمة لمجرد أن القائل بها مصدر أميركي؟ أليس المنطق أن نفترض أيضا صحة الاتهام، ونبحث عن السيناريوهات التي تدفع بإيران لمحاولة تدبير عملية الاغتيال؟ وتحضر أسئلة أخرى كثيرة لصالح القول بتورط إيران من ضمنها، هل كانت حكومة إيران تتصرف دائما وفقا لحسابات منطقية دقيقة؟ أو لم يسبق لها أن تحدت العالم مرات ومرات، وتعرضت لبواخر النفط الخليجية أثناء الحرب العراقية- الإيرانية؟. وما هو مبرر الاستمرار في حرب خاسرة مع العراق لثمان سنوات، أعلنت الحكومة العراقية في الأسبوع الثاني من اندلاع الحرب عن استعدادها لوقف إطلاق النار؟. وكيف يتسق التنسيق الإيراني مع الأميركيين في احتلال العراق، والتعاون في مواقع كثيرة كاليمن، مع تنظيم القاعدة؟ أسئلة منطقية، يمكن أن تسهم في تحييد الموقف من الاتهام الأميركي لإيران، لكنها لا تقدم إجابة وافية تجعلنا نجزم بالدقة، في صحة الاتهام الأميركي ما لم تتوفر معلومات دقيقة تؤكد ذلك.
هنا يحضر سيناريوهان على الأقل، يرجحان صحة اتهام إيران بمحاولة ارتكاب جريمة الاغتيال. السيناريو الأول له علاقة بالانسحاب الأميركي من العراق. وقد قدمنا في أحاديث سابقة مناقشات مستفيضة تؤكد حرص الأميركيين على استمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق إلى ما لا نهاية. إن ذلك يحقق للإيرانيين عدة مزايا، أهمها أنه يوفر لهم احتلالا مجانيا، لأرض السواد. كما أنه يجعل الأميركيين عاجزين عن اتخاذ أي خطوة عملية تجاه التعامل مع الملف الإيراني. محاولة الاغتيال للسفير السعودي على الأراضي الأميركية، ستخلق حالة توتر شديد في العلاقات الإيرانية- الأميركية بما يجعل الأميركيين يفكرون ألف مرة قبل الانسحاب من العراق، وتركه غنيمة لخصومهم الإيرانيين.
السيناريو الآخر، يرتبط بالملف النووي الإيراني أيضا. وخلاصته أن تعدد ملفات المواجهة بين الأميركيين والإيرانيين، لا يجعل التركيز مختزلا على الملف النووي الإيراني. إن محاولة اغتيال السفير السعودي على الأراضي الأميركية، من شأنه أن يوجه أنظار الإدارة الأميركية بشكل خاص، والمجتمع الدولي عموما إلى شأن ساخن آخر، جديد، ويحرف الانتباه عن الاندفاع الإيراني المتسارع باتجاه استكمال برنامجها النووي، وهو ما يخدم في نتيجته الاستراتيجية العسكرية الإيرانية. ويصح القول أيضا، إن مثل هذه الحادثة يمكن أن تسهم في جعل قضية المحكمة الدولية أمرا ثانويا، أمام فداحة الجريمة الجديدة.
تظل هذه السيناريوهات والأسئلة في خانة الافتراضات، على كل حال، ما لم تقدم الإدارة الأميركية للقيادة السعودية ومجلس الأمن أدلة دامغة تؤكد صحة الاتهام. لكن ذلك لن يغير كثيرا من الأمر. فدول الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية كانت دائما عرضة لعمليات استفزازية من طهران. وإيران تتدخل في العراق ودول الخليج العربي، وتحتل جزرا ثلاثا من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتمارس الاضطهاد العنصري بحق أهلنا في الأحواز، ليس لسبب اقترفوه، سوى تمسكهم بعروبتهم. والدور الإيراني، الذي ساهم طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، في إضعاف العراق، ومصادرته كيانا وهوية له إسقاطاته المباشرة ليس فقط على أمن دول مجلس التعاون الخليجي بل على الأمن القومي العربي بأسره.
لقد وضعتنا حقائق الجغرافيا والتاريخ في وضع لا يمكننا فعل شيء تجاهه. فالجوار حقيقة ستبقى للأبد ماثلة لا يمكننا ولا يمكن إيران الفكاك منها. ولن يكون لإيران أن تعول كثيرا على الخلل في توازن القوة، لتمارس سياساتها العدوانية بحق المنطقة. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، لن تستمر طويلا في القبول بحالة القلق الناتج عن استفزازات إيران. ولسوف تسعى إلى بناء قدراتها الذاتية بما يجعلها قادرة على التصدي للعدوان وقبره في مهده.
لن يكون أمام حكومة طهران سوى التخلي عن أطماعها ونزعاتها العدوانية، واحترام حق دول مجلس التعاون في انتهاج السياسات المتسقة مع مصالحها، ولن تقبل حكومات هذه المنطقة وشعوبها بعلاقات لا تقوم على الندية والتكافؤ والعدل وحسن الجوار، واحترام المواثيق الدولية ومبادئ القانون الدولي وشرعة الأمم، فتلك هي التي تجعل من منطقتنا واحة سلام، وتخدم مصالح شعوب إيران والشعوب العربية، فهل ستصغي طهران لنداء العدل والعقل؟!