يبدو أن قدر تونس أن تقود قافلة التغيير في المنطقة العربية. فها هي انتخاباتها تنتهي لتسجل سابقة إقبال90% من الشعب على صناديق الاقتراع في جو نظيف نزيه كما وصفه المراقبون المحايدون، وها هو حزب إسلامي يحقق فوزاً كبيراً بعد سنوات من الغياب.. فهل تستمر تونس تقدم النموذج "الدليل" على طريق التغيرات التي سميت بالربيع العربي؟
في هذا السياق يحسن أن نعيد للذاكرة أن حضور "تيار الأسلمة" في المنطقة العربية كان بادياً للعيان، رغم محاولات طمس معالم تأثيره في الحياة العامة. كانت الانتخابات الجزئية التي تجري ما قبل الربيع العربي تشي بهذا الحضور والتأثير، فقصة فوز حماس ما تزال ماثلة، وما تبعها من نتائج وتقدم الإسلاميين في انتخابات البحرين الأخيرة حاضرة، ونشاط هذا التيار في الكويت معروف، كما كان تيار الإخوان المسلمين في مصر يظهر قوته كلما أتيحت له الفرص الضيقة: في النقابات المهنية واتحادات الطلاب وأساتذة الجامعات وانتخابات مجلس الشعب.. وحتى في العراق – تحت آلة الاحتلال والفرز الطائفي – كانت الأسلمة بارزة في جميع المناطق.. والجميع يتابع تنامي هذا التوجه في المغرب وكيف "تتململ" هذه الروح تحت قبضة الجنرالات في الجزائر.. وفي اليمن يقود هذا التيار حركة التخلص من الحكم الذي أمسك بزمام السلطة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وفي الأردن يشكل الإخوان المسلمون عصب الحياة الحزبية النشطة التي يستجيب لها النظام، وفي ليبيا – التي ما تزال تداوي جراحها وتجمع سلاح التحرير وتحاول "خفض" أصوات التكبير في الإعلام اليومي – يبدو المشهد أكثر وضوحاً، فرئيس المجلس الانتقالي عرض مشهداً لم تعهده الساحة العربية منذ عرفت "ثورات" الضباط، فلأول مرة يقف "قائد ثوري" عربي ليقول: الله أكبر ويسجد شكراً لله ثم يقف ليعلن – صراحة ودون مواربة ـ أن الشريعة هي مصدر التشريع، وأن كل القوانين المعارضة لمبادئها ستلغى، بل دفعه الحماس إلى الإشارة إلى قانون اجتماعي ما كان الكثيرون يظنون أنه موضوع لخطاب التحرير حين قال: "إن قانون تعدد الزوجات سيلغى".
هذه هي "خريطة" مزاج المنطقة. والذين يتبنون طروحات الأسلمة ارتكبوا – كغيرهم – الأخطاء، على مختلف درجاتها، في ظل الظروف السابقة. والكثيرون يتوجسون مما تحمله ذاكرة الماضي ولديهم القابلية لسحبها على المستقبل. فهل ستقود "النهضة" المشهد السياسي في تونس في المرحلة المقبلة بما يزيل الخوف والتوجس؟ كيف تستطيع أن تبرهن للناس انسجام خطابها، وهي خارج الحكم، مع منهجها وهي في السلطة؟ هل استفادت قياداتها من مصاعب سنوات الحظر والعيش في الظل والمنفى وفرصة التأمل في مآلات الفهم الإنساني لمبادئ الشرع؟
النظام السابق نظام "الحزب الحاكم" نجح في "مسخ" المعارضات في بلاده، وتشويه صورتها وتشكيلها للرأي العام في صورتين: معارضة مستأنسة، تتحرك في هامش ضيق يدور في دائرة الرؤية العامة للحاكم الفرد، وإن أعطيت مساحة الصوت المختلف في المسائل الجزئية التي لا تؤثر في تشكيل الرأي العام وفق ما يراه الحاكم الفرد والحزب الفرد والإعلام الفرد.
والصورة الثانية معارضة "ظلامية" تريد أن تعود بالبلاد والعباد إلى شريعة وحياة وفكر واقتصاد القرون الوسطى، "عصر الظلام والعبودية وقهر الإنسان وسلبه حريته وكرامته". هذه الصورة المخيفة الشوهاء هي التي كان نظام بن علي يبثها عن المعارضة ذات النفس الإسلامي، وكانت النهضة بقياداتها ورموزها في مقدمة هذا المشهد "المخيف".
ولأن "الإعلام الفرد" هو المسموح به والسائد والغالب – على الساحتين الداخلية والخارجية – فقد تشوهت سمعة وصورة حزب النهضة لدى غالبية الجمهور العربي، الذي لا يعرف الكثير عن المشروع السياسي للنهضة، ويكتفي بإضافتها إلى الصورة التي تؤطر الأحزاب الإسلامية في عمومها، حتى سمعنا من لا يفرق بين طالبان وحزب النهضة ولا ما بين راشد الغنوشي والملا عمر.. ولولا قلة من المنصفين المتابعين لأطروحات هذا الحزب والمطلعين على الخطوط العامة لأفكار زعيمه الشيخ راشد الغنوشي لما أمكن قبول هذا الحزب.
الآن استطاع حزب النهضة – في فترة وجيزة – استعادة حضوره في المشهد السياسي باعتباره تياراً وطنياً يعبر عن روح قطاع عريض في المجتمع التونسي، وأن هذه الروح أصيلة في نفوس أهلها، فلم تستطع آلة القمع وماكينة الدعاية أن تذهبه من وعي أهله. فكيف سيلعب هذا التيار دوره المتفق مع متطلبات العمل السياسي مع اللاعبين الآخرين، وضمن "قانون الديمقراطية" التي أعادته إلى الواجهة بعد سنوات المطاردة والتشريد وتزييف الصورة؟!
وكما كانت تونس، الشعب والروح والفكر، "الموحي" والمحرك لرياح التغيير التي تجتاح المنطقة العربية فإن نجاح حزب النهضة في الانتخابات وقدرته على "إدارة" هذا المكسب ونجاحه في حفظ "قانون" اللعبة مع الآخرين سيكون "معياراً" مهماً للمشهد التونسي ولمن يراقبه من الخارج، فإما أن يطمئن الخائفون الحقيقيون من "الإسلام السياسي" وإما أن تزداد مخاوفهم، وحينها سيفرح الذين يتصنعون الخوف أو يصنعونه حتى لا يقترب الناس من هذه التجربة التي لم تعط الظروف الكاملة للحكم على صلاحيتها.
تونس شعب مسلم – بالفطرة – لكنه شعب عاشت أجياله المتعاقبة – طوال العقود الأخيرة – في ظل نظام اجتماعي لا يضيق على الناس في مسلكهم ومظهرهم فحسب؛ بل إن الذين يتمسكون بالمظاهر الدالة على المحافظة لا يتدخلون في حريات مخالفيهم. هذا "المزاج" الذي تضافرت الطبيعة التونسية المتسامحة مع القوانين المعمول بها على تكوينه لن يقبل الانحياز إلى المتشدد من الفقه، وسيضيق بالقيود والسدود التي تحرمه من العيش في عصره. وقد أقبل على "النهضة" رفضاً لسياسة فرض الأحكام على الناس دون مراعاة لروحهم وقناعاتهم وأذواقهم، وإذا كان السلوك الشخصي له هذه الأهمية والاعتبار فإن القوانين التي تحكم العلاقات المالية والتجارية والاقتصادية تشكل جزءاً أساسياً وتغييرها بصورة فجائية متسارعة سيترك آثاره السلبية على حياة الكثيرين وسيدفعهم ذلك إلى رفضها. (التجربة السودانية ماثلة للعيان حين حاولت ثورة الإنقاذ تغيير "البنية التحتية" للقوانين فارتبك الشارع، ولولا ظروف الحرب وأسباب محلية أخرى لكان رد الفعل الشعبي أكبر مما حدث).
التحدي أمام حزب النهضة هو تقديم النموذج العصري غير المسبوق ـ باستثناء حزب العدالة التركي مع الفارق – لحزب إسلامي جاء إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع، وتمكن من قيادة تحالف وطني يعمل لتأسيس دولة عصرية تسود فيها الحريات وحقوق الإنسان والمحافظة على قيم المجتمع وتحكيم مبادئ شرعه.
معادلة يتطلع لنجاحها الكثيرون في الساحة العربية ويخشاها خصومها في الداخل والخارج.