الفعل القرائي مهمة تحليلية مفاهيمية تشتغل على تفكيك الرموز، وإعادة إنتاجها حتى تستقرعلى صورة أخيرة ترتبط بخبرات القارئ، ونسقه الثقافي، ومدى قدرته على رؤية أبعادها وظلالها، وهذا بالطبع يتم عبر عملية معقدة يشوبها كثير من العقبات المتعلقة بميكانزم القراءة نفسها، وأخرى متعالقة مع شخصية القارئ، وطبيعة النص الخاضع للفعل.
فإن أخذنا النص الإبداعي مثلا، وجدناه يعمل على لملمة أطرافه، وإصمات عمقه، وإظهار حالة من المغايرة والتلون على طريقة "الشيفرة" المرتهنة إلى عدة محاولات واحتمالات للوصول إلى الوشاية "المحببة" والحمولات الدلالية المتضمنة، نحن هنا في حضرة نص مضاد للقراءة، أو فلنقل - مجازا - نص قاريء من جهة أخرى، وهذا يعني -إذا ما جردنا طبيعة النص الكتابية الرمزية- أن القاريء المعتاد يستحيل مقروءا بصورة ما، وكم من النصوص الإبداعية قرأتنا قبل أن نقرأها، وأسقطت في ذواتنا هالات تأثيرية منذ اللقاء التعارفي الأول، بل إن نصوصا توحدت معنا وسرنا بها أمدا في حياتنا، نقاربها، وتشغل تفكيرنا، وقد نضع كثيرا من اهتماماتنا على محكها الدلالي أو التفسيري.
وبالنظر الممعن إلى بعض النصوص الشعرية أو السردية المتكئة على التقنية الكتابية الحديثة والمتخذة من فضاءات المخيال والإسقاط المعمّى أنموذجا ومنهجا، تتمظهر حالة القراءة المعاكسة في أنصع صورها، فتحيل القارئ إلى مقروء ريثما يعيد هو نفسه تأهيل أدواته، وصياغة مثوله بين يدي النص، ليخرج من فضائه المسيطر، وقيده المؤقت ليعاود الغارة تارة أخرى محصنا بما يمكن له أن يقرع أبواب النص في الطريق إلى فتح المغاليق، ومن ثمّ الشعور بتلك النشوة الومضية اللحظية المشيرة إلى أن النص بات تحت بؤرة النظرالمدقق، والمبضع النقدي الممنهج، إنها لحظة الانتصار التي يجب على القارئ أن يجيد الاحتفاء بها.
الأمثلة على هذا كثيرة، ونتعرض لها في شتى مجالات الفنون باعتبارالإبداع أيا كان نوعه نصا خاضعا للمقروئية فالفيلم السينمائي نص، واللوحة التشكيلية نص، والصورة الفوتجرافية نص، والمشهد المسرحي نص، بل سنذهب إلى أبعد من هذا إذا توافقنا على أن بياض الصفحة وخلوها نص في شكل ما، كل تلك الفنون الإبداعية تشتغل في دواخلها على تحدي القراءة، والعمل على مهاجمة نقاط التأثير لدى القارئ والمشاهد، والناقد، والتشكيلي، والمصور، ومالم تحضر تلك "العدائية" التي يظهرها النص فإن صفة الانقرائية تضمحل، ويبقى القارئ هادئا، وغير مكترث إذ لا يوجد ما يستفزه، ويثير دوافعه تجاه الفوز بالمكنون داخل محارة النص.