يرصد التاريخ أصل التسمية (إيران) إلى أكثر من 2000 عام قبل الميلاد. وذلك حينما هاجرت القبائل (الآرية) في العهد الأشوري الذي وصف أحياناً باضطهاده لتلك القبائل. واختلطت فيما بعد مع سكان الأعالي الفارسية، وتكاثرت فيما بعد لتؤسس الإمبراطورية الفارسية العظيمة التي بلغت الآفاق. وامتدت من أرض اليونان مروراً بآسيا الصغرى (تركيا حالياً) إلى أراضي دلتا النيل فأرض ما بين النهرين. غير أنها لم تكن يوماً طامعة في دخول جزيرة العرب. لاعتبارات جغرافية وتجارية لم تقنع حتى الإسكندر المقدوني الذي أسقط جموح الفرس قبل الميلاد. إذ إن جزيرة العرب لم تكن أرضاً خصبة للزراعة أو وطنناً للذهب والخيرات حينها. وقد تعرضت هذه الإمبراطورية للكثير من الغزوات والحروب الدامية التي رسمت مخيلتها على الأجيال المتعاقبة لسكانها حتى باتت سمة تميزها. ومن أبرز تلك الحروب ما كان بينها وبين الإسكندر المقدوني الذي أسقط عظمة الإمبراطورية الفارسية. التي لم ترضخ مع الزمن لسيطرة الغزاة كثيراً لتستعيد حريتها عبر متغيرات التاريخ والزمن. ليسقط نفوذها لاحقاً على يد العرب (المسلمين) الذين حملوا إليها الإسلام في القرن السابع للميلاد. ولتعتنق فارس كلها الديانة الإسلامية، وتُخرج من صلبها عظماء كابن سيناء، وابن المقفع، وسيبويه، وجابر بن حيان، وغيرهم ممن أثروا التاريخ الإنساني بالكثير من الروائع العلمية والفكرية. ولا يختلف اثنان على عظمة التاريخ الفارسي المتقلب. وقد تدهورت بلاد فارس اقتصادياً وسياسياً كغيرها من الأمم في فترات كثيرة من التاريخ. حتى وصلت إلى ما وصلت إليه حالياً في العصر الحديث. منهكة بشكل كبير لا يُعبر عن ماضيها العظيم. بلاد فارس تكون قوية ومؤثرة في العالم حينما تتخلص من الفكر المنحرف. الذي يستبد بالعقلية الفارسية مؤخراً. ويكبل كل نواحي الإبداع وموازين الحكمة الذي أنارت من خلاله للبشرية طرق التقدم والتحول المبهج الإنساني. لكنها حين تُضيع الطريق تُضيع معها الطريقة أيضاً ببساطة. أكثر من 75 مليوناً من البشر يقطنون اليوم المنطقة الواقعة شمال شرق الجزيرة العربية. يشكلون ما يُعرف في العصر الحديث حالياً بــ(الجمهورية الإيرانية الإسلامية). التي قامت عقب إسقاط نظام الشاه (محمد رضا بهلوي) الوراثي. للتحول إلى دولة ذات قيادات دينية يسيطر عليها (الآيات الدينية) حسب التسمية الإيرانية. وأسيرة للمرجعيات التي أسبغت على نفسها ألقاب القداسة بأنواعها. والتي تزعم بثوريتها العالمية التي تسعى لتصديرها إلى كل أصقاع الأرض لتخليص البشرية من العبودية حسب زعمها. هذه العقلية المؤمنة بأهدافها الفردية لن تقدم في الواقع للعالم أكثر من العبودية في شكل استبدادي جديد. له مبادئه الخاصة التي لن تخرج وإن عظمت عن إعادة تدوير الفكرة المنحازة للظلام التاريخي. الذي يختار لنفسه دائماً الأولوية والأفضلية التي نادى بها الزعيم النازي هتلر الذي قرر بتميز الجنس (الآري الجيرماني) على سائر البشرية في تصنيفه آن ذاك.
هذه الطريقة في التفكير هي عجز ضمني في المقدرة على مجاراة المتغير التاريخي. الذي يتحدى على الدوام الفكر الجامد والفكرة العقيمة ويضعها خلفه دون رحمة. وهذا مذهب الزمن الذي لا يتوقف عند فكرة أو طريقة بعينها حتى وإن أعاد التاريخ نفسه وهو يفعل ذلك بذكاء، لا يستطيع سوى الفكر المتحرر من نير التسلط مجاراته وصنع طريقته وسننه المميزة له. فالأساطير وحدها لن تكون قادرة على فعل شيء حيال المتغيرات. وستبقى على الدوام أساطير تصلح للتآنس والتذاكر ليس إلا. وحالياً تعيش العقلية السياسية في إيران داخل هذا المأزق الفكري التاريخي. ولن تتخلص منه قبل أن تتأمل بدقة في واقعية المحيط والمتغير في الوقت الراهن. لأن أي إخلال في معادلة الطموح والممكن. لن يكون إلا كارثة إنسانية جديدة تُضاف إلى سجل الإنسانية المظلم والمقيت. وتسجيل خطأ تكرر كثيراً في تاريخ البشرية. وذلك سيمثل نكوصاً حقيقياً لمفهوم التقدم الفكري المنظم والحيوي. ويعيد بمحتوى تاريخ المكتسبات الإنسانية إلى الوراء دون هوادة. العقلية السياسية المترنحة في إيران حالياً لا تشكل عقلية كل سكان ومواطني إيران أو سياسييها. فهناك الكثير ممن لم تتح لهم فرصة إظهار إيران التقدمية كما يجب أو كما يرغب السواد الأعظم من الإيرانيين. وهو ما أوضحته الثورات الداخلية في إيران، والتي تعامل معها نظام (المرجعيات والآيات) بقسوة ولا إنسانية أنكرها هو نفسه على غيره من الأنظمة المستبدة. في تناقض مضحكٍ مبكٍ في ذات الوقت. وشيمة سياسية لا تقيس وضعيتها وتحركها من خلال قياس رضا الشارع عنها ليست إلا أنموذجاً تعسفياً يقترن بالفكرة الفاشلة المقترنة بالانهيار. وإذا أرادت (فارس) العودة مجدداً لتاريخها الفكري المشع. فما عليها سوى تغيير جلدها الفكري المسيطر على قيادتها السياسية ذات الفكر الأحادي المستبد.
شاهدوا الفيلم السنيمائي الإيراني (السحلية) الذي منع عرضه في إيران لتتعرفوا على طبيعة المجتمع الإيراني، وسلطة العمامة الدينية وعباءتها السوداء التي تسوس السواد الأعظم منهم، تحت ضغط سياسة مهزومة فكرياً وعقدياً تشكل أيديولوجيا عقيمة تقتل الجمال الذي يمكن أن تصنعه فارس في ظل فكر إنساني سوي. الفيلم على الرابط:
http://www.youtube.com/watch?v=m-MboZzPNo4