للصورة الفوتوغرافية والتلفزيونية تأثير قوي ونافذ حينما تؤخذ من زاوية معينة، وعندما تلتقط في لحظة معينة، وتختلف درجة الزاوية ولحظة الالتقاط حسب الحالة والحدث والمناسبة والظرف، لكن المتفق عليه أنه من خلال الصورة يمكن إيصال رسائل عديدة وتحقيق أهداف عديدة، ومن خلال الصورة يمكن تشويه واقع على غير حاله، وإعطاء انطباع تجاه مكان ما أو شخص ما، أو جهة ما بخلاف الحقيقة، ومن خلال الصورة أيضا يمكن تغيير مفاهيم معينة وكسب تعاطف أو خلق عداء، وبالصورة يمكن اختصار الزمن واختصارالجهد وإحداث تأثير وتفاعل أقوى وأسرع وأكبر مما تؤديه الخطب والمقالات والكتب.

أقول مثل هذا الكلام عن الصورة وفي ظني أن جهدا عظيما وجبارا سنة بعد سنة يزداد وينضج ويتشكل ويبرزعلى شكل خدمات ومشاريع نوعية في جودتها وشكلها وحجمها ودورها في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة لخدمة ضيوف الرحمن، وهي من الكثرة والتنوع والانتشار بما لا يمكن حصرها ولا ذكرها ولا نقلها، فالدولة انفقت بسخاء منقطع النظير للتسهيل والتيسير والتوسعة على الحجاج والمعتمرين، وباتت كل بقعة في المشاعر المقدسة تعلن بشكل جلي عن إضافة جديدة تتمتع بها في كل عام، فضلا عن جهد بشري قد يكون ملموسا، وبعضه غير ملموس بشكل مباشر يبذل على مدى عام كامل لينثر في المشاعر ثمار تجارب ودراسات وبحوث يعايشها الحجاج.

أعود للصورة، لأقول إن مثل هكذا جهد وهكذا إنجاز وهكذا تطور وهكذا نجاح أحيانا يضيع بالكامل أولا يظهر وفق ما يفترض ووفق ما ينبغي عندما تغيب عنه الصورة التلفزيونية تحديدا، وعندما تعجز الكاميرا عن التقاطه، وعندما تتوه الكاميرا وسط الزحام إما عن قلة وعي بأهمية اللقطة وزمن اللقطة أوعند فقدان المهنية بالكامل.

أقول بصراحة وبشكل مباشرإن عدسات تلفزيوناتنا لم تكن بمستوى ما قدمته الدولة بكافة قطاعاتها المدنية والعسكرية والتطوعية لخدمة ضيوف الرحمن، فقد ضاعت الكاميرا في يوم عرفة وفي مزدلفة وفي أول أيام الرمي، ضاعت مع أن حجم المنجز وحجم المشاهد والمواقف وحركة البشر، وما يحيط بالمكان والزمان، ما يحفز ويساعد على صناعة إبداع وتميز يتمناه كل مصور مهني وكل صاحب رسالة في مثل هكذا حدث.

والواضح أن العمل التقليدي مازال هو البطل في ساحة النقل التلفزيوني لمناسك الحج فالجهد الإعلامي في مخرجاته (لا في عدده وإمكاناته وآلياته) لا يتناسب مع عطاء الدولة الذي بلا غرور ولا منة يحق أن يبرز ويظهر ويحق لنا أن نفخر به.

ولعل أكثر ما يؤلمني في كل موسم حج أن غيرنا عبر وعيهم بقيمة كاميرا التلفزيون تمكنوا من إيصال رسائل عنهم بخلاف الواقع ولكنهم استثمروا الكاميرا لتحقيق أهدافهم وهو حق مشروع لهم بينما نحن أصحاب الواقع الناصع المدعوم بالشواهد والحقائق الملموسة والمؤكدة عجزنا عن نقله لغيرنا، فإن كنا قد استقدمنا شركات إنجليزية وأجنبية لتبدع في نقل مباريات دورينا في كرة القدم وتنشر عشرات الكاميرات داخل الملاعب وخارجها، وتربط الملاعب ببعضها على الهواء مباشرة، فإن حدثا يشاهده الملايين في العالم في كل عام يستحق أن نبحث عمن يبدع في نقله لهم أو يساعدنا على ذلك!