قد يقرأ الفرد منا عن أخبار كثيرة يوميا، منها المحزن ومنها المفرح ومنها ما يرفع الضغط، المهم أن عالم الإعلام لا ينفك يداهمنا بعناوين أخبار ومقالات ودراسات وصور ومقاطع فيدو، فيمر عليها المتلقي مرورالكرام ليتوقف عند ما يشده، ولكن في الوقت نفسه يكون قد علق في ذهنه الكثير من العناوين أو الصور التي قد تكون غير واقعية أو صحيحة ولكن بما أنها أتت من مصدر إعلامي، والكثير من الأحيان موثوق، تدخل هذه المعلومات في عقله الباطن لتغيرمن اتجاهاته أو تضيف إلى ما يعتقده أنه أصلا صحيح، يعني أن الرسالة التي يريدها الإعلام تصل إن لم يكن بطريقة فبأخرى!

المهم أن كل مجال له زبائنه من السوق البشرية وإلا لما ملئت كل هذه المساحات بالسخيف أكثر من الثمين والمفيد، رغم كثرة ظهور السخافات، بالنسبة لي على الأقل، نجد أن مجرد تواجدها وبكثافة يعني أن الأحداث المؤثرة على المجتمع العالمي والمحلي، سواء كانت سياسية أو بيئية أو اجتماعية في حالة ركود أو توازن إيجابي، ولكنها تظل سخافات أو ألاعيب إعلامية باتت معروفة لمن يراقب عن كثب ويحلل، أما بالنسبة للسواد الأعظم فتصبح مواد دسمة للنقاش في المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي على النت، ولا ننسى هنا برامج الحوارات على التلفاز والمذياع التي تنطلق لتواكب ما يؤرق المجتمع العربي، فلا يترك أحدا دون أن يؤخذ برأيه، ماذا لو كان لاعبا رياضيا بشهادة ابتدائية، أو فنانا مشهورا لا يعرف أن يفرق بين الألف وكوز الذرة في السياسة أو حتى الفن، أو حتى أكاديميا غير مثقف، فمجرد وجود حرف الدال قبل الاسم لا يجعله "أبو العريف"، وهلم جرا فيترك الحبل على الجرار وتصبح الساحة مفتوحة، هذا يؤيد وهذا يرفض، هذا يتبنى وهذا ينبذ، هذا يتوقع وهذا ينفي؟!

إنها غابة يا سادة! يريدون أن يشغلونا بمن صفع من ومن شتم ، ومن لم يدخل قائمة أفضل عشرة أو أفضل مئة، ومن قتل الحمير ورحم الناموس، وكل من أراد أن يبيع كتابا أو ألبوما غنائيا أو يسوّق لفيلم أو حدث فني أو اجتماعي يخرج مقالة تعتقد بأنها تتحدث عن رأي وتجد في النهاية أنها لم تكن سوى دعاية متنكرة بأبجديات الفكر والكلمات المنمقة لا تحمل سوى رسالة واحدة،"شاهد، اشتر، احضر"!

أما الدراسات فحدث ولا حرج، فلقد أصبح الأمر أشبه بـ "السوق وصاحبه غايب"! كل يوم تخرج إلينا دراسات بمعلومات سخيفة، مثلا لا حصرا، بأن النوم على حافة الشرفة يطيل بالعمر، أو الطياران فوق المستنقعات يكثر من نسبة الخصوبة عند الرجال، أو دهن الجبين بالأسود قبل النوم يقرب بين الزوجة وزوجها، كلا لم أنته بعد، فما رأيكم بقوائم الأسئلة التي تطرح للتعرف على نفسك؟! قل لي ماذا تأكل لأقل لك من أنت، من تصاحب، ما ذا تلبس، ماذا تشاهد، متى تقف على رأسك، متى تزحف على بطنك، أي كتب تقرأ؟ على أساس أننا شعب معروف بمكتباته المنزلية، ومن ومن وماذا وماذا؟

المشكلة أنني حين أحتاج لكل هذه القوائم لتدلني على أن أعرف نفسي، فالأسهل والأفضل لي أن أعود لبطن أمي وأخرج ثانية، لربما أقول ربما حينها أستوعب دروس الحياة وأعرف "من أنا"!

والآن لنأخذ الصور، ولا أقصد الدعايات فتلك طامة أخرى، ولا الصورالتي تصاحب الأخبار المهمة، مع أنها اليوم دخلت في خانة الشك من كثرة الفبركة والتحويل، ولكن ما أقصده هنا صورإناث، على عتبار أنهن من المشاهير، لا أدري أين يغطسون ويخرجون علينا كل صباح بواحدة تأخذ حيزا كبيرا من الصفحة، فتارة ترى هذه في معرض، وتارة تلك في ملعب، أو ثالثة في قلب مجاعة، لا يهم فلن يتأثر صباح أحد، ثم من سيرى غيرها في الكادركله؟! لكن يجب أن تكون هنالك صورة لهذه وتلك من أجل أن يكتمل الصباح بابتسامة هذه وغنج تلك! لحظة! هؤلاء لسن من أجل صباحي! أعتذر إذن عن هذا الخلل الفني وأنتقل إلى المنغّصات التالية.

ما رأيكم بالتقاريرالصحفية التي تثير قضايا لا تغني من جوع ولا تحمي من عواصف، جل همها هو إثارة الضجة والبلبة، قضايا لو قلنا إنها تهمنا نجد أنها تطرح دون حلول أو متابعة ولو بعد ستة أشهر لنرى الأثر أو التغير إن حدث، قضايا تعتمد في حوارها على كل من تعتبره أخصائياً، وليس لنا أن نناقش فهم قالوا هذا إذن يجب أن نتقبلهم على هذا الأساس شئنا أم أبينا، والأهم هنا والأساس، لا يشاهد ولا يسمع، وكأنه لبس طاقية الإخفاء، ولا يهم إن كان المعني في الطرح، فريشه "منتوش" وفكره "مغشوش"! وعليه لا يؤخذ برأيه! إذا كان جزءا من المشكلة أو المشكلة نفسها فلماذا لا يكون جزءا من الحل؟!

في النهاية، أرجو ألا أكون قد أسهمت في الحشو الإعلامي، فهو كلما كثر، كلما اعتبرنا أن هنالك مساحات إعلامية بحاجة لأن تملأ، وعليه لنطمئن بأن ليست هنالك أحداث مؤثرة، قد "ننجلط"، نعم ولكننا قلة ولله الحمد، أما الباقي فكل يجد ما يسعده فيها، وماذا يريد الإعلام غير أن يسعدنا! وكل عام وأنتم بخير.