سوف تفتقد منطقة قصر الحكم بأكملها لتلك الإطلالة الصباحية النشيطة والمحفزة لسلمان بن عبدالعزيز، الذي تعودت الرياض أن توقظه كل صباح، كما توقظ الأمهات أبناءهن الكبار ليهبوا وفي أيديهم كثير من العزم، وفي أسماعهم كثير من الدعوات، لينطلقوا على بركة الله. كان يشق طريقه في موكب متواضع لا تكاد تشعر به الطرقات، بل يشعر به نبض الرياض وطموحها.
أكثر من خمسين عاما من العمل والعطاء والاقتراب المستمر من الناس، مثلت تلك الصفات أبرز المحاور في مسيرة الأمير سلمان، وهو يخطط للرياض مستقبلا ورؤية منذ أن كانت مساحتها العمرانية لا تتجاوز ربع المساحة الحالية، ومنذ أن كان عدد سكانها لا يتجاوز ربع مليون نسمة. وها هي الآن مدينة كل شيء، وضمن أبرز وأهم العواصم العالمية.
العواصم في كل البلدان ليست مجرد مدن عامة، بل هي واجهة الدولة وعنوانها السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وكل نماء تشهده الدولة كان لا بد أن ينعكس في العاصمة، وعلى مختلف الأصعدة، فامتدت الرياض عمقا ومساحة وعملا وعطاء وتحولت إلى واحدة من أكبر عواصم العالم وأكثرها حركة.
طوال هذه السنوات التي قضاها الأمير سلمان بن عبدالعزيز أميرا لمنطقة الرياض، كان بإمكانه أن يجعل من قصر الحكم ناطحة سحاب ملفتة، أو مبنى زجاجيا يعمل بالطاقة الشمسية مثلا، كذلك كان بإمكانه أن ينقل مقر مكتبه إلى أية جهة في العاصمة الرياض، ويخرج من المناطق القديمة والمكتظة بالمحلات الشعبية والحركة المستمرة، لكنه أراد أن يرسخ الرياض: هوية وتاريخا وثقافة وتنوعا، فتحولت منطقة قصر الحكم إلى روح الرياض وعنوانها وتاريخها، ومن خلال عناية مفرطة بالتفاصيل، تجد أنك تدخل للرياض كلها.
إدارة الرياض إمارة وتنمية ومجتمعا، تختلف بالتأكيد عن أية منطقة أخرى، فهي البقعة التي تضم ما يقارب ثلث سكان المملكة، وتمثل تجمعا فعليا للطيف السعودي بمختلف تجلياته، فكل أهل المملكة هم أهل الرياض، والأمير سلمان يؤمن بهذه المعادلة جيدا، لذا فهو يدير الرياض بمنطق وطني عال، وليس بمنطق فئوي ضيق.
لم تكن الرياض بحاجة إلى إدارة بالمعنى التكنوقراطي فقط، بل إلى إدارة ثقافية واجتماعية تحضر فيها مختلف الجوانب التي تمثل البيئة العامة، فاتجه الأمير سلمان إلى ذلك مدركا البعد القبلي والاجتماعي والتركيبة السكانية والاجتماعية التي يحتاج التعامل معها إلى استيعاب كل ذلك، وتحويله إلى عوامل تؤثر إيجابا في عملية البناء والتنمية والنهضة.
أحاط الأمير سلمان بكل الأطياف الاجتماعية الثقافية والمهنية والأكاديمية، واستثمر كل ذلك لا لأجله، وإنما لأجل الرياض، فاتسعت مؤسساتها الاجتماعية والثقافية والمهنية والعلمية.
كان يدرك سلمان بن عبدالعزيز أن قوة العواصم في ذاكرتها وفي امتدادها التاريخي، فلم يكن مجرد أمير يتابع مشروعات المدينة وطرقها وخدماتها، بل تابع تاريخها، حفظا ودراسة وبحثا وعمرانا وتطويرا، فعلى المستوى العلمي والبحثي تمثل دارة الملك عبدالعزيز بيت تاريخ المنطقة، ثم تاريخ المملكة بأكملها، أما على المستوى العمراني فقد شهدت المواقع التاريخية في الرياض إعادة إحياء وتطوير من خلال استثمار لمختلف الجوانب التاريخية في تلك المواقع، وتطوير الدرعية مثلا أحد أبرز الشواهد على ذلك، لكن المنطقة التاريخية التي تضم قصر الحكم، تمثل الشاهد المبكر على ذلك التوجه.
وأنت تدلف إلى مقر إمارة الرياض، تمر بمعرض حي للرياض تمثله تلك المحلات القديمة التي تعرض بضائع تقليدية، تمتد تلك المحلات على هيئة أشرطة تحيط بمختلف جوانب المبنى، لتصل من خلال تلك المشاهد التي تعكس روح الرياض وأصالتها إلى مقر أمير الرياض.
ورغم ذاكرتنا كجيل لم يعتد الإمارة إلا وهي في عنفوانها يمكننا أن نقول: كم كان مكتب الأمير سلمان قريبا وسهلا ومتاحا للجميع، وكم كان سموه يدرك دوره الاجتماعي في الرياض، إذ تحولت لديه هذه المدينة الواسعة إلى عائلة واحدة، فكم فاجأ الناس في مناسباتهم وأحداثهم زائرا يقدم العزاء أو يقدم التهنئة حتى ارتبط سموه بالناس وأسس لواقع اجتماعي في الرياض كان هو أبرز دعائمه.
الآن يفتتح الأمير سلمان – وفقه الله – مرحلة جديدة من مسيرته في العمل الوطني وزيرا للدفاع، حاملا تجربة بناء العاصمة السعودية، وحاملا امتنان الرياض الواسع لسموه، لأنه هو ذاكرة المدينة، وعاصمة الرياض. ولن يتغير عنوان مكتبه بعد أن يغادر الإمارة، لأن عنوانه الكبير هو الرياض بأسرها.