وبعد، فإن مهمة الكندي التي نذرنفسه لها كانت تبريرالفلسفة ومحاولة إدماجها في السياق الثقافي العربي الإسلامي كمصدر للمعرفة ومنهج للتفكير. اشتغل الكندي لتحقيق هذا الهدف على أكثر من مستوى وأكثر من جهة، الجهة الفلسفية محاولا تقريب بعدها نسبا بإدعاء أخوة يونان لقحطان. ومع المتكلمين بعملية تقريب بين الدين والفلسفة ومع النحويين واللغويين بالتأكيد على عمومية المنطق اليوناني ومناسبتة لتفكيرالإنسان أيا كان عرقه وثقافته، ثم مع الفقهاء بكشف زيف ادعاءاتهم باعتبارأن الفلسفة والدين تبحثان عن الحق وباعتبارأن دعاوى الفقهاء مزيفة وتحركها دوافع خاصة ومصلحية. كان الكندي يطالب بتنوع على أساس الاتفاق. كان يريد أن يقنع الجميع بأنه وإن اتخذ طريقا مغايرة إلا أنه يسعى لتحقيق ذات الهدف الذي يسعون هم لتحقيقه ولكن لسلطة المعرفة معادلة لم تجد معها كل هذه المحاولات.
نعلم اليوم أن الكندي لم ينجح في إدماج الفلسفة والنظرالعقلي في جسد الثقافة العربية الإسلامية بدليل أن هذه المهمة لا تزال مطلوبة اليوم ولا يزال هناك من يحاول إنجازها. فقدت الفلسفة العقلانية الدعم السياسي مبكرا وبقي الفلاسفة أفرادا مقطوعي الصلة بالتأثير في السياق العام.أما لماذا فهناك جملة من الأسباب من أهمها أن العرب اتصلوا بالفلسفة في إطارالقرون الوسطى وفي طابعها المدرسي (السكولائي) وهي اللحظة التي انطفأت فيها جذوة التفلسف الحقيقي وتحولت إلى عملية مدرسية غير مشغولة بأسئلة حقيقية عن الإنسان والواقع والحياة. وهذا ما نعثرعليه بوضوح عند الكندي من غياب السؤال الفلسفي الحقيقي وغياب قضية الإنسان والواقع الذي يعيشه. فلسفة القرون الوسطى انعزلت عن العلم وخضعت لمقولات دينية صارمة وتوقفت عن إنتاج نظريات فاعلة في السياسية والاجتماع والإنسان مما جعلها قليلة الثمار وعاجزة عن المنافسة. لاحقا حاول فلاسفة مسلمون التغلب على هذه الحالة بالرجوع للفلسفة اليونانية وتشغيل روح الإبداع ولكن أسبابا أخرى أعاقت محاولاتهم من جديد. أيضا من أسباب فشل الكندي أن دخول الفلسفة بطلب رسمي ورعاية الدولة جعلها مرهونة بإرادة وتقلبات هذه الدولة، وهذا ما جرى للفلسفة العقلانية والكلام العقلاني حيث تمت تصفيته مع تحول أيديولوجية الدولة عنه وتخليها عن دعمه. كانت الروح الدينية الجديدة في عنفوانها والثقافة التقليدية العربية تحرك الأمور بقدرة وتمكّن. استطاعت الأفكارالغنوصية والباطنية أن تثبّت أقدامها باعتبارأن عددا كبيرا من أتباعها الأصليين دخلوا الإسلام وباعتبار أن هذه الأفكار يمكن أن تلبس لبوسا دينيا مقنعا ، أما الفلسفة العقلانية فكانت ظروفها أسوأ بكثير فقد وصلت مشوّهة وفي لباس مدرسي وداخل ثقافة مفعمة بمشكلاتها الأصلية ولذا فشلت عملية دخولها وسننتظر حوالي ثلاثة قرون ليقوم ابن رشد بنفس المهمة التبريرية ولتفشل من جديد لننتظر بعد ذلك أكثر من ثمانية قرون ليعود التنويريون العرب في عصرالنهضة للقيام بنفس المهمة ، ولا تزال متعثرة حتى الآن.
اليوم، في عصرالاختلاف، على الفلسفة أن تقدم نفسها لا على أنها متفقة مع السياق العام في الغاية وإن بدت مختلفة في منهجها وطريقتها بل على أنها مختلفة منهجا وغاية مع السياق السائد تراثا وواقعا. مهمة الفلسفة الأولى اليوم أن تؤسس للاختلاف. أن تؤسس حق الفرد في أن يختلف وينتمي في ذلك الوقت. هذه المهمة تتحقق قبل أي شيء آخر بممارسة الاختلاف ذاته في المنهج والهدف وخلق مساحة في الوعي العام تتقبل التنوع على أساس الاختلاف. الفلسفة هنا ستلج عباب صراع سلطة المعرفة باعتبارأن قبول الاختلاف لا بد أن يتأسس على معادلة جديدة للمعرفة. على طول تاريخ الفلسفة في الثقافة الإسلامية كانت مصادرالمعرفة المقبولة محتكرة ومحدده سلفا. مصادرلها ممثلوها وطبقاتها وآلياتها تعمل بكل كفاءة على أن تبقي على هذه الفكرة مقبولة ومسلّما بها: للمعرفة مصدر واحد يحتكر الحقيقة. وتستطرد السلطة المعرفية المسيطرة لتقول: أي نعم هناك مصادر أخرى ولكنها أقل درجة وأحط قيمة ولابد أن تعمل تحت غطاء المعرفة الحقة ولا تختلف معها. الفلاسفة القدماء أقرّوا بهذه المعادلة ولذا تجدهم يبذلون الجهد والفكر من أجل إقناع حراس الحقيقة بأنهم لا يختلفون معهم في النهاية. على الفلسفة اليوم أن تنقض هذه المعادلة وتؤسس لمعادلة الاختلاف التي تقوم على أنه لا يحق لأحد أن يحتكر الحقيقة في المجال العام. في المجال العام هناك ساحة يجب أن تكون مفتوحة على أساس الحرية للجميع. ساحة من التنافس على أساس الإقناع والجدارة. على الفلسفة أن تتصدى للأسئلة الكبرى لا لتوفر ذات الإجابة المستقرة من طريقة مختلفة بل لتنقض الإجابة المستقرة وتؤسس لتعدد الحقيقة وللحق الإنساني في الاختلاف على كافة الأصعدة والمستويات. حق الاختلاف يبدو اليوم أقرب من أي يوم سابق. اليوم، في العالم كله سياقات عالمية فاعلة ونشطة تدعم حق الاختلاف والانتماء في ذات الوقت. اليوم الفرصة أكبر ليعلن الأفراد أنه ليس من حق أحد أن يطالبهم بالتنازل عن اختلافهم. على الفلسفة اليوم أن تؤسس لهذه القاعدة من الحوار: أنا أختلف معك ربما في كل شي ولكنني مثلك أنتمي لهذه الجماعة. أؤمن بالسلم والتواصل والتعاون، لم أعد أنتظر منك صك الانتماء والقبول فهو حق لي لا يستطيع أحد انتزاعه مني أبدا.