إذن.. هيئة الطيران المدني تمت إعادة هيكلتها، وباتت جهة مستقلة تتجه الآن لتتولى واحدا من أعقد الملفات في حياة السعوديين، وأكثرها تأخرا عن تلبية الطموح الوطني والتنموي والاقتصادي، وذلك الواقع المتردي للطيران السعودي المدني، جعل القيادة تدرك أن ذلك الواقع بحاجة لحل بنيوي شامل، لا على مستوى تغيير بعض القيادات فقط، وإنما على مستوى إعادة هيكلة مؤسسة الطيران بأكملها، وتحويلها إلى جهة مستقلة، كما هو الحال في كل مؤسسات الطيران في مختلف دول العالم.
الآن هيئة الطيران المدني تتبع لهيئة الطيران المدني، بمعنى أن العبء البيروقراطي الكبير الذي كان يقيد كثيرا من جوانب العمل في الطيران المدني تم استئصاله من خلال إيجاد مناخ إداري جديد يتمتع بالاستقلالية، وبالتالي يتحمل المسؤولية الفعلية والمباشرة عن كل تقصير أو خلل أو استمرار للواقع السابق للخطوط السعودية.
أبرز وأهم ما في التشكيل الجديد هو تعيين الأمير فهد بن عبد الله رئيسا لهيئة الطيران المدني، ليس لخبرته فقط، ذلك أن الخبرة التي يمكن الحصول عليها من الطيران المدني بتاريخه السابق لن تمثل حافزا ولا استبشارا، بل الحافز الوحيد في تجربة الأمير فهد أن كل السنوات التي قضاها في الطيران المدني تجعله مدركا لكل الأخطاء، وبالتالي فهو ليس بحاجة إلى اكتشاف هذه المؤسسة من جديد، بل لترتيب أولويات العمل على التخلص من تلك الأخطاء. وبكل تأكيد أن لدى الأمير فهد الآن، رأيا ومبررا وقراءة لتعثر بعض تجارب الطيران الاقتصادي، ورؤية لقراءة واقع المطارات السعودية ولكل جوانب عمليات التشغيل والنقل، بمعنى أن خبرته السابقة تجعلنا ننتظره مسؤولا محملا بالإجابات والحلول أكثر من الأسئلة. بالمقابل لا بد أن ندرك أن المعادلة التي ستتولى الهيئة الجديدة حلها ليست بتلك السهولة المتوقعة، فنحن أمام واقع تجذرت أخطاؤه لسنوات، بل أصبحت جزءا من سمات الطيران المدني وواقعه الذي ارتبطت خدماته باستمرار بحالة من التذمر منقطع النظير، لأنه أحد الأجهزة الخدمية المدفوعة، وليس جهازا خدميا ريعيا، كما أن بقية الأجهزة والمؤسسات الخدمية استطاعت طوال تلك السنوات أن تخطو خطوات إيجابية في تطوير وتحسين خدماتها، بينما ظل الطيران المدني يوسع دائرة سلبيته، ويقدم واقعا متأخرا للغاية عن خطواتنا التنموية في بقية المجالات. وحتى مختلف التطورات التي شهدها واقع الطيران المدني السعودي، والتي كانت تدور في نطاق التحول إلى مزيد من الخدمات الإلكترونية، وخصخصة بعض القطاعات، كان أغلبها عبارة عن اضطرار ولم يكن نتيجة مشروع تطويري ومستقبلي شامل، بدليل أن ذلك لم ينعكس إيجابا على الموقف العام من تلك الخدمات.
وبينما يمثل الطيران المدني في كل مدن العالم واجهة وعنوانا على التنمية والتطور والاستقرار ما زالت كل تلك المعاني تدور في أذهاننا بصورة سلبية نظرا لواقع طيراننا الذي لا يعكس أيا من تلك الجوانب. الأسئلة التي تتردد على ألسنة الناس لا تخرج عن: متى تنتهي معاناتنا مع السفر على طيراننا المحلي، ومتى تغيب عن أسماعنا كلمة: لا يوجد مقعد، أي متى يصبح السفر الداخلي على الأقل سهلا وممتعا ومتاحا؟ أبرز ما أسهم في تعقيد علاقة الجمهور بالخطوط الجوية السعودية هو أن حالة من الصمت كانت تقابل كل نقد يوجه لخدماتها، إلى الدرجة التي بات معها التناول الإعلامي لتلك الخدمات مجرد مضيعة للوقت، وكأن الخطوط السعودية تحوي لغزا خاصا لا يمكن كشفه لأحد، كنا ننتظر مثلا أن يقال إن واقع الأسعار في التذاكر الداخلية يمثل خسارة تعيق تطورها، أو إن للخطوط السعودية ديونا باهظة لدى القطاعات الحكومية لم يتم تحصيلها، أو إن قدرنا كسعوديين أن تكون هذه خطوطنا الجوية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، المهم أننا انتظرنا طويلا ونحن نعلق أسئلتنا بلا طائل.
لن يحتاج الأمير فهد بن عبد الله إلى مئة يوم أو أكثر، فهو قادم من عمق المؤسسة، وبالتالي فأول ما نأمله من سموه هو أن نعرف ما الذي كان يحدث طوال تلك السنوات، أو: عفا الله عما سلف، ما الذي سيحدث في السنوات القادمة.. هل يمكن للهيئة أن تباشر فورا العمل على فتح المجال الجوي السعودي لشركات الطيران الأجنبية لتقديم خدمات النقل الداخلي؟ وهل واقع المطارات السعودية قادر على استيعاب ذلك، وهل ستتمكن الشركات من إدارة المطارات ومختلف الخدمات الأرضية؟ وهل يمكن للهيئة وضع جدول زمني لخصخصة الخطوط السعودية؟ وبالتالي فإن ما يطمح إليه الناس أولا أن يطمئنوا إلى وجود خطة فعلية وواقعية لتخليصهم من المعاناة المستمرة مع هذا القطاع الحيوي.
لقد وصل واقعنا وعلاقتنا مع الخطوط السعودية إلى حد أننا أصبحنا لا نفكر في الاستمتاع بالرحلة، وإنما نفكر في الحصول عليها. سوف نعتبر أن آخر بطاقة صعود كانت قبل صدور القرار الملكي الكريم بإعادة تشكيل الهيئة وتعيين الأمير فهد رئيسا لها، كانت تقص مرحلة سابقة. لننتظر عصرا جديدا تتسابق فيه خطواتنا نحن باتجاه واقع جديد يلبي احتياجاتنا وطموحنا.