عندما تشاهد من على شاشة التلفزيون مئات الآلاف من الحجاج وهم ينتقلون من عرفات ومزدلفة إلى منى، تدرك أن الموقف فريد.. ينفرد به هذا البلد الطاهر فقط ولا يمكن أن يكون له مثيل في بلد آخر في أي بقعة من بقاع الأرض. وعندما تشاهد رسومات الطرق على الخريطة وليس على الطبيعة، تظن أنها لخطوط سريعة لسير المركبات، لكن من على الواقع، تكتشف أنها قد خصصت لمئات الآلاف من المشاة فقط، وهي في سعة ورحابة الطرق السريعة ذات الاتجاهات المتعددة، لذلك سوف تستغرب من أي مقارنة بين تواجد ثلاثة ملايين حاج في مكان واحد وبين تواجد عشرات الملايين من السياح في بلد آخر.
في إسبانيا التي سجلت 60 مليون سائح وفي فرنسا التي زارها 78 مليون سائح العام الماضي، تننشر فيهما الأماكن السياحية على سائر المدن وليس في مكان واحد، وحتى في المدينة الواحدة توجد عشرات الأمكنة التي يزورها السياح، ولذلك لن تجد فيها ازدحاماً للحشود، لأن السياح لا يجتمعون في مكان واحد محدودة مساحته ولا يوجدون في وقت واحد. إن الأمر في غاية البساطة، فهؤلاء السياح يأتون في أفواج متفرقة طوال شهور السنة وتتنوع وجهات سيرهم على سائر المدن على آلاف الكيلو مترات.
أستغرب من محاولة البعض المقارنة لمجرد الاصطياد، لكن لو عمر قلب أحدهم بنفحات قدسية المكان لأبصر إشارات لا تراها العيون. تخيل في ليلة تصعيد الحجيج إلى منى في الثامن من ذي الحجة.. تتجه أكثر من ( 12 ألف) حافلة إلى أحياء مكة المكرمة وتدلف إلى شوارعها الواسعة وأزقتها الضيقة .. ويخيل إليك أن هذه الحافلات وهي تنزل في مواكب طقوسية من الجبال المحيطة كأنها مسكونة بعبق المناسبة.. متلهفة مثلها مثل جموع الحجيج، تمرغ خدها ببطحاء مكة وعرفات لتصاحب ملايين الحجيج في رحلة العمر إلى المشاعر المقدسة. نعم شاهدتها بعيني وشاهدت آلافا مثلها من الحافلات وهي تنقل حجاج الداخل. ترى هل هناك وجه للمقارنة ! لا يوجد لهذه العشرين ألف حافلة في هذا الموقف مثيل لظروفها في أي مكان في العالم.
ثلاثة ملايين حاج يغادرون مكانا واحدا في وقت واحد إلى مكان آخر ليمكثوا فيه عددا من الساعات ثم يتجهون إلى مكان آخر (منى) وهناك تؤدي هذه الملايين شعائر واحدة في أوقات محددة فتتجه إلى طريق واحد وجسر واحد (جسر العقبة).. في هذا المشهد لا يمكن أن تنجح خطط العمل وإدارة التنفيذ إلا لأن الله هو الذي يبارك جهود العاملين في الصحة والمرور والطرق وفي توفير الماء والطعام. فلا يمكن لأحد أو لبلد ما أن يوفر نجاح هذه الجهود لمثل هذا الحجيج إلا لأن الله يحف برحمته وكرمه ضيوفه الذين لبوا دعوته الكريمة، ذلك أن توفر النية وبذل الجهد كفيلان بتيسير رحلة الحاج مثلما توفرت لسيدنا إبراهيم عليه السلام، فكان يكفي أن يؤذن بالحج (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق).