على الرغم من الإشكاليات الثقافية والاجتماعية الكثيرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، إلا أننا يجب ألاّ نقلل من وعي هذه المجتمعات بما يدور حولها، خصوصاً في الوقت الحاضر، حيث تعي المجتمعات التقدم الحاصل في العالم وإن لم يدرك كثير من أفراد المجتمع أنهم داخل آلة هذا التقدم، لكن وجودهم الحقيقي مرهون بمدى كون المجتمع قوة مؤثرة ومتأثرة بالعالم من حولها بالقدر نفسه، مما يتيح التفاعل الإيجابي المستمر، ولكن تبقى المشكلة الأساسية وهي: جهل المجتمع بذاته.
من غير الممكن إدراك الذات دون إدراك العالم الخارجي، لكنها في وضعنا تعتبر قضية إشكالية مختلفة، حيث ندرك العالم دون إدراك ذواتنا، وهذا ما ينقل القضية من مرحلة الإشكال إلى مرحلة التأزّم، حيث نستهلك منتجات العالم الخارجي، ولا نستطيع العيش بدون هذا العالم، وكأننا أصبحنا كائنات بشرية طفيلية، فعدم وجود الوعي المجتمعي الكامل فيما يتعلق بحق الفرد والمجتمع والحياة كريمة، ليس كاملاً ولا ناقصاً، بمعنى: أن الأفراد واعون بحقوقهم العامة، لكن المشكلة تكمن في إهمالهم لهذه الحقوق بعد غيابها الذي يفسَّر في اتجاهات عديدة، أقلها عدم معرفة التفاصيل، فالمؤسسات الحكومية، لا تصدر أي منشورات تتعلق بأنظمتها، ولا تنشر هذه الأنظمة على موقعها الإلكتروني، بينما تلوح في كل حال بالنظام، هذا الأمر يجب أن يعالج بأسرع وقت ممكن؛ لكي تتضح الصورة كاملة في نشر الأنظمة، من أجل أن يدرك المواطن والمقيم-أو لنقل الإنسان بشكل عام- ما له وما عليه من حقوق وواجبات، وتأتي هذه القضية (نشر الأنظمة) في مقدمة قضايا نشر الوعي العام المضاد-بطبيعة الحال- للجهل العام.
ومع ضرورة التحديث والتطوير، إلا أن ملاحظات الفرد مهمة لأنها واقعية تنبع من كونه متضرراً أو مستفيداً من قانون أو نظام ما، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية الحقوق والحريات ومنع الانتهاك بذريعة النظام، وخصوصاً تلك الأنظمة المعنية بحق التعبير وحرية الرأي، وتعميق الشفافية بما لا يخل بالوحدة الوطنية.
غير أن كثيرا من المواطنين والمقيمين لا يعرفون بالتحديد الحقوق والواجبات التي تحددها الأنظمة فيما عدا المتخصصين، أو الذين يزاولون أعمالاً تتطلب معرفتهم بنصوص القانون، مما يفرز مواقف لعدم التقيد بالنصوص واستغلال الثغرات فيها، مع أنه من غير الممكن أن تكون الأنظمة واللوائح خاصة بأحد دون أحد.
وبناء على ذلك فإن الجهل يجعل غياب الوعي بالأنظمة مرتبطا بحجبها عن الرأي العام، لأن عدم الوعي بها هو نتيجة طبيعية لعدم نشرها بحيث تكون متاحة للجميع، وخصوصاً أن الكثير منها تطاله يد التحديث دون أن يعرف الجمهور ما الذي يطرأ، وهذه قضية أخرى أيضاً، إذ كيف يعرف المواطنون حركة تجديد القوانين والأنظمة طالما هي محجوبة؟
وهذا ما يبقي الفرد جاهلاً بأنظمة وقوانين المؤسسات الحكومية والخاصة، على الرغم من أنها ليست سرية، بل أنظمة مدنية تمس حياة المواطن.
وهذا ما يمكن أن ننطلق منه في أن القوانين المحجوبة لا يمكنها توفير الحماية والمساواة للجميع، فضلاً عن التقيد بها، إذ كيف يطالب المواطن والمقيم بالتقيد بأنظمة غير مشاعة وغير معروفة؟! ولعلي هنا ألتزم شفافية أكثر وأقول إن عدم النشر يعمق مشكلة الفوضى واختراق الأنظمة، فنحن يفترض أن نعلَم بالقانون لكي نعمل به ونلتزمه لا أن نتجاهله ونقفز عليه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما تكون لدي قضية لدى جهة حكومية أو خاصة فإنه لا يمكن أن يعرف بالضبط ما الإجراءات القانونية التي أخضع لها، بينما الموظف أو الرئيس وما في حكمهما يعرفان الأنظمة ومما يترتب عليها، بحكم التعامل اليومي معها، وهذا ما يفسّر الإجراءات التعسفية التي يتعرض لها البعض منا، ومنها الاستغلال التي تعتمده بعض الشركات والمؤسسات التجارية، فهي لا تنشر أنظمتها وسياساتها على مواقعها الإلكترونية لكي تضمن استغلال العميل والإيقاع به، ولذلك من الضرورة بمكان أن يعرف المواطن- لأنه من حقه أن يعرف- الأنظمة التي تحميه من التعسف والاستغلال، وكذلك التي تدينه وتوقع عليه العقوبة، لأن هذا من باب العلم بالحقوق والواجبات، لأن الوعي الحقوقي والقانوني عامل أساسي في رفع وتيرة الوعي العام، والجهل لا يمكن أن يستمر لأن وعي العالم يتطور وينمو ونحن جزء من هذا العالم، ومن المفارقات العجيبة أن يكون الوعي بالعالم الخارجي سابقاً على الوعي بالذات، بينما المنطق هو العكس!
إن وعي الإنسان بحقوقه يؤدي غالباً إلى التزامه بها وينمي شعوره بالمواطنة، وغياب وعيه بحقوقه يفشي الفساد والتسلط والظلم، المبني على الجهل الاجتماعي، الذي مهما كانت قوته إلا أن العقل الإنساني قادر على اختراق الجهل وهو لحظة عظيمة من شأنها أن تحوّل جاهلاً إلى عالم.