مراهقونا يمتلكون فراغاً كبيراً تدل الظواهر على أننا لم نتمكن بكل مؤسساتنا الرسمية وغير الرسمية من التعامل معه بنجاح، واحدة من تلك الظواهر هي تجمع المراهقين أمام المجمعات التجارية في عطلات الأسبوع. فتلك الظاهرة تدعو للاستغراب والشفقة أحياناً والحزن أحياناً أخرى. الاستغراب لماذا يريد المراهقون بهذه الأعداد الكبيرة الدخول للمجمعات التجارية؟ والشفقة لاستدرارهم عطف المرتادين: "لو سمحت دخلني ياعم"، والحزن لأنك تشعر استعذابهم التسكع أمام بوابات المجمعات التجارية لمحاولة الفوز بفرصة دخول وقضاء الوقت في الداخل.. يعمل ماذا؟ لا تدري. ثم إنك إذا دخلت تجد أعداداً كبيرة منهم في الداخل يجوبون المجمعات ذهاباً وجيئة.. وأحياناً تراهم في مصادمات مع حُراس الأمن في الداخل. ظاهرة أخرى هي التجمع في المقاهي والتجمع في صالات ألعاب الشبكات التي تمارس فيها ألعاب القتل والعنف التي تشكل خطراً على فكر وسلوك شبابنا، والتي سبق أن تحدتث عنها بإسهاب هنا في هذه الصحيفة قبل وقت قصير.. إذن نحن أمام ظواهر عديدة قد تتبعها ظواهر أخرى أخطر إذا لم نتنبه لها ونعالجها في الوقت المناسب.. هذه هي المشكلة التي سأناقشها.

سألت أحد المراهقين لماذا تقضي الساعات الطوال هنا وأنت تعرف أن فرصة دخولك قد تكون معدومة؟ فرد عليّ قائلاً: "فين أروح؟"

هذا التسكع لمراهقينا مسؤولية من؟ أهو مسؤولية البيت الذي لا يعرف أين يذهب أبناؤه ومع من يذهبون وماذا يعملون؟ أم هي مسؤولية المجتمع بمؤسساته الذي لم يهيئ لمراهقيه وشبابه الأماكن والبرامج التي تجذبهم إليها باستمرار ويقضون فيها أوقاتاً ممتعة ومفيدة؟ أم هي مسؤولية مؤسسات الشباب والتربية التي لم توفر لهم البديل؟ أظن أنها مسؤولية كل السابقين. هؤلاء المراهقون تراهم بأشكال مزرية إن لم يكن جميعهم فمعظمهم: شعور طويلة بشكل مقزز.. ملابس ضيقة مفتوحة الصدر، ثياب مزركشة وبعضها "محزَّز" لا أعرف لماذا. الذي أعرفه أن كل ذلك بعيد عن مثلنا وأخلاقنا وقيمنا وعاداتنا التي تربينا عليها. وأظن أيضاً أننا سكتنا على زركشة الثياب للرجال بدافع الحرية الشخصية فتطور الأمر. والله أعلم إلى أين سيصل؟! إذن، الذي يبدو أن البيت غائب وكذلك مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية. والذي أظنه أن البيت عاجز عن فعل شيء، أولاً لافتقاده ما يمكن أن يجذب المراهق للبقاء فيه، ولأن يكون بديلاً للخروج والبحث عن أماكن أكثر متعةً وجاذبية، ثم إن المراهق أصلاً لا بد أن يخرج ولا يمكن أن نجبره على البقاء طوال الوقت.. وإذا رغبتم في صراحة أكثر فإن البيت لم يعد في مقدوره التحكم في مراهقيه ولا في تربيتهم. وزاد الطين بلة أدوات العصر وتكنولوجياته. في السابق كان في المنزل هاتف واحد ودليل بجانبه لجميع أفراد العائلة، والكل يعرف مع من يتحدث الكل. أما الآن فكل فرد أصبح لديه "جواله" الخاص بأرقامه الخاصة وحساب "الإيميل" الخاص به، ولا أحد يعرف مع من يتواصل، ومن الذي يملي عليه فكره وأخلاقه. ولهذا أصبح صندوقه الأسود لغزاً لا يستطيع البيت فك شفرته وحلها.. إذن ولهذا السبب البيت وبإمكاناته غير المتخصصة ـ حتى وإن كان الوالدان متعلمين ـ عاجز عن عمل شيء يذكر سوى المواجهة مع المراهق التي قد تؤدي إلى حلول عكسية.. إذن البيت مستبعد.. قد يقول قائل البيت يربي تربية حسنة وستكون النتيجة حسنة، هذا كلام صحيح في ظاهره لكنه ليس واقعيا.. البيت اليوم يحتاج لمساعدة لأنه لم يعد المصدر الوحيد للتربية ولا للفكر. هذا ما يجب أن ندركه ونعلمه ونتصرف على أساسه وإلا لبقينا نعلق آمالاً على من لا يستطيع تحقيقها.. البيت يمكن أن يساعد ولا يمكن أن يقوم بالمهة كاملةً، ومن هنا أصبح دور المؤسسات أكثر أهمية، لكن ما هي المؤسسات المعنية هنا؟

في ظني هي رعاية الشباب، ووزارة التربية والتعليم، وإمارات المناطق. كيف؟

سأبدأ بإمارات المناطق أولاً. فمجالس المناطق فيها تمثيل لكل مؤسسات الدولة ويمكن مناقشة حلول لتلك المشاكل في مجالس المناطق، وإحالة المقترحات إلى جهات التنفيذ، وهذا يعطي تلك المقترحات شرعية وقوة. وثانياً، في النهاية سلبيات وسوء تصرف مراهقينا هو عبء على إمارات المناطق وهي تعاني من تبعات مشكلة لم تتسبب فيها، ومن هنا فلا بد أن تتدخل. وثالثاً المرافق الجديدة والحلول التي قد تتبناها الجهتان الأخريان "رعاية الشباب" ووزارة التربية تتطلب تدخل إمارات المناطق لتجنب البيروقراطية وتسهيل الحلول التي تقرها تلكما الجهتان. أما الجهتان الأخريان فهما المسؤولتان عن تعليم ورعاية الشباب. والسؤال السهل جداً والمهم جداً هو: هل هناك تنسيق بين المؤسستين في الخطط والبرامج؛ وعلى أي مستوى؟ الإعداد أم التنفيذ أم المشاركة في التنفيذ؟ الذي أعرفه أنه كان عدد كبير من رؤساء الاتحادات في رعاية الشباب من منسوبي الوزارة وهذا قمة التنسيق؟ فهل ما زال الأمر كذلك؟ ونسأل لماذا لا يجد الشباب مكانا ممتعا ومفيدا يجذبهم سوى التسكع في المجمعات التجارية أو المقاهي أو صالات ألعاب الشبكات التي أراها شخصياً خطيرة على فكر وسلوك المراهقين؟

العناية بوقت المراهقين وفكرهم وسلوكهم أمر في غاية الأهمية.. وتذكروا أنني هنا ما زلت أحسن النية في الحديث عن سلوكيات بعيدة عن قيمنا، والظواهر المتعددة التي تبدو في مجتمعنا نتيجة عدم وجود البديل، الذي أدى إلى وجود تلك الظواهر ولم أتحدث عن أبعد من ذلك، أي عن الفكر الإرهابي الذي قد يكون من أسبابه عدم وجود بدائل. وأعرف أن هناك اهتمامات على مستوى عال بهذا الأمر نتج عنها كراسي بحث في بعض جامعاتنا، ولعلها فرصة لدعوة المسؤولين عن كراسي البحث لضم جهودها مع جهود إمارات المناطق والتربية ورعاية الشباب لتوحيد وتنسيق الجهود.

أخشى أن كل جهة تعمل بمفردها ثم لا نصل إلى حلول جذرية قوية تستأصل الظواهر والمشكلات لتبقى معاناة مراهقينا وشبابنا ومن ثم مجتمعنا ووطننا.

الذي سنحت له الفرصة لرؤية المراهقين أمام وداخل المجمعات التجارية يعرف جيداً عن ماذا أتحدث.. والذي لم يزر إحدى صالات ألعاب الشبكات الخطيرة على مجتمعنا ومراهقينا وشبابنا أدعوه إلى زيارتها، فهي للأسف الشديد مفتوحة على مدار الساعة إلا ما شاء ربك، ووالله إن الألم سيأخذ منه مأخذاً ويتحسر على وقت وفكر وسلوك الشباب في تلك الأماكن الخطيرة المحتوى والمرهقة لجيوب الوالدين.

شبابنا يعانون مشاكل فراغ.. أظن أنه لم يتم التعامل معها بما يجب، وهذه رسالة مخلصة إلى مجتمعنا بكل فئاته.