هل من الممكن استبدال المال بالوقت كعملة تتداول في المستقبل؟! وأن تتحول الرأسمالية إلى رأسوقتية؟! بمعنى أن تكون وسيلة البيع والشراء للإنسان هي الوقت لا المال؛ فتركب التاكسي مقابل أجرة ثلاثة أيام من عمرك؛ وتتناول طعام الغذاء في مطعم فاخر مقابل ثلاثة أشهر، وتسافر بالباص مقابل شهر ونصف؛ وتتحول أجرة دقيقة واحدة لمكالمة هاتفية إلى خمس دقائق من عمرك وهكذا؛ ليكون الأغنياء أغنياء بالشباب الدائم لامتلاكهم أرصدة من الوقت تصل لملايين الساعات وآلاف الأيام والسنين، يحصلون عليها من أفراد الطبقة المتوسطة الكادحة الذين يعانون فقر الوقت وتهديد الموت لهم بكل لحظة؛ بمجرد نفاذ ما يمتلكونه ويستنزفونه في شراء متطلبات معيشتهم التي يملكها الأغنياء؛ فهي العملة التي يحصّلونها شهريا كرواتب لأعمالهم!

طبعا هذه الفكرة الفلسفية الاقتصادية الذكية استطاع فيلم"IN TIME" الأميركي من أفلام الخيال العلمي الفلسفي، وإخراج أندرو نيكول، تجسيدها بذكاء، إذ يعرض حاليا بدور السينما الأميركية، لكن أهميته تعود ليس للإخراج الفني المبتكر فقط؛ بل لتزامنه مع الثورات العربية التي خرجت بحثا عن حرية الديموقراطية، ومن جهة أخرى بالغة الأهمية تزامنه مع مظاهرات حركة "احتلوا وول استريت" في نيويورك ومن قبلها مظاهرات مدريد وروما وفرانكفورت ولندن وغيرها من مدن العالم، التي كانت ضد الأوضاع الاقتصادية التي رسختها الرأسمالية في أحضان الديموقراطية، فجعلت النفوذ والسيطرة في يد طبقة صغيرة تمتلك الثروات دون الأخذ بمصلحة عامة الناس، ليتحول المواطن الغربي إلى ماكينة يمتلكها أصحاب النفوذ.

والفيلم يحمل ثورة فكرية فلسفية سياسية واقتصادية، ويحاول تنمية وعي المواطن الأميركي والغربي عامة تجاه كارثة منتظرة يقف أمامها بسلبية، نتيجة سلبيته تجاه حياته كآلة عمل لا تهدأ لصالح أصحاب الثروات الكبيرة الذين يتحكمون بسياسة الحكومات، فالمسألة ليست مجرد مال بل سنوات عمر لا تعود، وهنا يأتي تشبيه المال بالوقت كاستعارة فلسفية، للانتقال مما يحصل حاليا إلى النتيجة مباشرة، فالرأسماليون يتحولون لرأسوقتيين، وهؤلاء يمتصون أعمار الطبقة الكادحة، ولهذا تأتي الثورة في الفيلم من شاب فقير أهداه رجل من الطبقة الغنية مائة سنة من عمره بعد أن قرر الانتحار، لأنه ملّ من الحياة طويلا، فتحول الشاب بهذه الهدية إلى الطبقة الغنية، لكن الطبقة الغنية والحكومة أبت إلا أن تعيده إلى فقره وتستولي على ما يمتلكه من وقت، لأن الرأسوقتيين ليس من مصلحتهم تحول الفقراء لأغنياء، فتبدأ ثورة الشاب بسرقة بنوك الوقت التي يمتلكها الأغنياء، العامرة بضرائب الفقراء بما تفرضه عليهم الحكومة التي يتحكم بها الرأسوقتيون، ومن ثم يقوم بتوزيعها على الفقراء!

ولكن لماذا أتحدث عن هذا الفيلم؟ لأنه باختصار يحمل ثورة سينمائية وفنية فكرية تخرج من عباءة السينما التقليدية الواقعية، إلى عالم السينما الحديثة التي تستمد مخزونها من العلم الفلسفي، والذي مع الأسف الشديد لا تجيده السينما العربية رغم أنها تعيش أحداث ربيع عربي كما نتصور، لكنها غارقة حتى الآن في تصوير الواقعية المتمثلة في الشخلعة وهز الوسط على اعتبار أن الحرية هي البحث عن حرية جسد لا فكر! أما السينما الخليجية وخاصة السعودية فلا لوم عليها، لأنها ما تزال تعيش في جلباب الهواية الذاتية! ولا أجد ما أقوله عنها غير ياليل ما أطولك!