يذهب نيتشه في كتابه (جينالوجيا الأخلاق) إلى رؤية موغلة في تسفيه قيم الرحمة والتسامح، إذ يراها مجرد أخلاق الضعف والعبودية، لا أخلاق القوة والسيادة، وهو ما يجعل العالم مؤخرا. يبدو نيتشويا إلى حد كبير في أخلاقه، ولست هنا بصدد الفكرة النيتشوية بقدر تفسيرها من خلال العالم اليومي الذي نعيشه، وما ينزع له من العنف والصراع مقابل قيم السلام واللاعنف.
إن العالم اليوم ينظر إلى السلام كونه مهماً ولكنه ليس الأهم، إذ يتجه بكليته إلى القوة المفرغة من القيم الإنسانية، بل وتثقلنا كل منافذ الإعلام على مدار الوقت بكل ما يعزز نيتشوية العالم، وتفريغه من طمأنينته وسلامه، في توجه إلى زيادة وتيرة العنف من خلال سلطة الصورة التي باتت خطراً على الصحة العقلية للبشر، إذ استهدف الشارع العربي بكل صور العنف الخفي والظاهر بشكل غير مسبوق، واختفت عبارات مثل "هذه المشاهد للكبار فقط" وأصبحنا على علم أنه حتى طفل الرابعة من العمر بإمكانه أن يشاهد أحدهم وهو يُذبح أمامه على شاشة أي فضائية عربية فيما هو يتناول الكورني فليكس.
اختزال كل هذا الصراع الإنساني في "صور" في وعي المتلقي طفلا، أو رجلا، امرأة، متعلما، وغير متعلم، له وقعه الكبير على حياته، إذ ينتزع منه سلامه اليومي، ويستنزف روحه المطمئنة وينهكها بكل هذا العنف المباح أمامه.
في قانون الجذب الحديث عن ما لا نريده والتركيز عليه يعمل على زيادته وجذب المزيد منه، ببساطة هذا ما يركز عليه الإعلام بشكل مباشر وفج، فلم تعد مشاهد العنف قصرا على الفضائيات والصحف، بل شبكات التواصل الاجتماعي كذلك تتسابق بنشر كل مقاطع العنف اليومي الذي يحدث في العالم، وبدون أية اعتبارات لقيم الإنسانية أو حرمة الموتى، لنجد أننا أمام تساؤل مُلح: من أين سقطت علينا كل هذه الأيدي الخفية التي تُصور كل تلك المجازر البشرية لتقدمها لنا صباحا ومساء؟
نتيجة لهذا لم يعد بمستغرب أن تتزايد وتيرة العنف في الشارع والمنزل، وهو ما تؤكده حوادث القتل اليومي التي لا يكاد يمر بنا يوم لا نجد خبرا عنها، فالمقومات التي تتوافر لمروجي العنف البصري والفكري أكبر بكثير من تلك المتوفرة لدعاة السلام، ففي الوقت الذي توظف فيه الصورة والصوت لبث حركة العنف في عالمنا نجد بالمقابل أن دعاة السلام بالكاد يحظون بمنبر أو مكان لنشر ندائهم عن أهمية بث قيم السلام الإنساني، في عالم أصبح يموج بلون الدم وصوت الرصاص أكثر من أي صوت. فالقوى المُكرِسة للعنف أصبحت اليوم أقوى وأوسع وأكثر تمكناً من قوى المسالمة التي يقدمها دعاة السلام، وتقع علينا مسؤولية حقيقية لحماية أبصارنا وذواتنا من التبدد في دائرة العنف اليومي المستمر.
[email protected]