• هي القصة المكرورة: القطعان الحيّة، كل القطعان يحدث أن تظمأ، وفطرتها وصغارها وحقها في الوجود تدفعها نحو الوادي أو البركة، وبينما الصيّاد بين وحوشه وفي غابته مُهدّد وجائع، ويرى نفسه وصغاره وذويه يحدقون في يديه الخاليتين، فيحمل بندقيته ويخرج إلى الوادي أو البركة نفسها. القطعان والصياد كلاهما هرع إلى الماء ليفتش عن فرصةٍ لوجودٍ وبقاءٍ أطول. وعلى حافة الماء التقيا.. بهدفٍ واحد التقيا؛ القطعان والصياد، وأحدهما بالتأكيد لن يعود. قد يخطئ الصياد برصاصته مرة، وربما يصيب مرة ومرة ومرة وألف مرة، لكن هذا لن يفيد، فالوجود ذاته قضى بأن القطعان مهما قتلها الصيادون فإنها ستشرب وتُقتل وتهرب، ثم تعود لتشرب وتُقتل وتهرب، لكنها أخيراً ستعود وتبقى، تشرب وتهرب، ورغماً عن الخوف تعود وتبقى لتشرب!.

• أفهم أن الحياة ليست قطعاناً وصيادين فحسب، هذا تمثيل اضطراري، لكن البقاء فيها وفق منطق الغابة والجوع والظمأ والسلطة والترف والنهم.. يصير كذلك! والكتابة عن كل هذا الدم مغامرةٌ فظيعة وموقف جبّار، والشعراء والروائيون والفنانون جميعاً، بحجم ما يفهم كل واحدٍ منهم عن الدم بقدر ما يغوص بعيداً في الجحيم، ويتلظّى به، وبقدر ما يكون له موقف!.

http://www.youtube.com/watch?v=vLYzCEXb3Jo

• أفكر أيضاً وأنا أرى حين يصطفّ القتلى في شارعٍ أو سجنٍ أو بيتٍ أو زاويةٍ أو خندقٍ أو مكانٍ مشترك، وكلهم – قصدوا أو لم يقصدوا - سُحلوا لأجل ترابٍ ووطن واحد، وبينما كاميرات الجوال والإعلام تجعلهم فرجةً لخجل العالم، فهل يرى هؤلاء الشهداء حينها بعضهم! هل يميزون وهم في نومهم الدامي والخرافي ذاك بين رائحة التمجيد والدعاء والبارود المجموع في أجسادهم؟! الحقيقة ألا أحد منهم سيشعر بأيّ شيء، سوى أنهم جميعاً ينتظرون من يصادف ويراهم بحرقةٍ، فيصرخ؛ يا رب الحياة والمقابر، يا رب الحتف والشهداء.. فلتأخذ بثأر خلقك هؤلاء".

• وفي غابة شرقنا العربي هذا.. يصيح شابٌ محروم، أو قبر طفلٍ أو امرأةٍ شجاعة؛ أيتها الشعوب السلميّة، يا غزلان الحرية في سورية واليمن، اركضوا إلى حوض الحرية، سيكون الصيادون أمامكم وبانتظاركم، سيقتلون ويقتلون ويقتلون، لكن بنادقهم ستتعب.. وأنتم وشهداؤكم لا تتعبون، وفي يومٍ سينتهي القناصة والصيادون ونهمهم، وتبقون أنتم بلا خوف.. تبقون على الماء!.

• وفي إكمال القصة المكرورة، تلك التي لا تنتهي، قال شاعر: "قريباً من الماء.. فيما كانت الغزالة تنجب قطعاناً، والصياد ينجب صيادين، كان الجوع والظمأ ينجب الفرائس والهرب.. البنادق والدم.. والحياة!".