ابتداءً، لا بد من التأكيد على أولوية برنامج مكافحة البطالة، والسعي الجاد نحو إيجاد فرص وظيفية للعمالة الوطنية في القطاع الخاص ومجال الأعمال الحرة، كما أن من الواجب أيضا الإشادة والتنويه بالجهود التي تبذلها وزارة العمل في إدارة ملف توظيف السعوديين، وأحسب أن الصحافة مطالبة بدعم جهود الوزارة في هذا الاتجاه والإسهام المباشر في تكثيف التعبئة الوطنية نحو تحقيق هذا الهدف الوطني المشروع، غير أن هذا لا يمنع من الاستدراك على برامج وسياسات الوزارة، ومن ذلك مشكلة نقص العمالة الوافدة في قطاع المقاولات والإنشاءات العمرانية وما ترتب عليه من ارتفاعات حادة في أسعار أجور الأيدي العاملة وصلت في كثير من الأحيان إلى الضعف في جميع أعمال البناء والتشييد بمختلف مراحله، ومن الطبيعي أن يقع العبء الأكبر في هذه الارتفاعات على المواطن، بمعنى أن تجار المقاولات لا تنقص أرباحهم بسبب هذه الارتفاعات، فالذي يدفع الزيادة في الأسعار هو المواطن سواء كان مالكاً أو مستأجرًا، والمعضلة أن هذه الارتفاعات جاءت لاحقة لارتفاعات حادة في أسعار مواد البناء، وإذا كان من الصعب خفض أسعار مواد البناء لارتباطها حسب ما يقوله المختصون بعوامل وأسباب خارجية فإن معالجة وحل مشكلة ارتفاع أجور الأيدي العاملة في قطاع الإنشاءات أمر مقدور عليه، وفي يد وزارة العمل، وهذا الحل وإن كان له بعض الجوانب السلبية المتعلقة بزيادة نسبة العمالة في المملكة وما يترتب عليها من آثار جانبية سلبية، فإن منافعه على الوطن وانعكاساته على رفاهية وتيسير معيشة المواطن تستحق تحمل هذه الآثار والعمل على الحد من تداعياتها، ومشكلة ارتفاع تكلفة إنشاء الوحدات الإسكانية تتجاوز التأثيرات السلبية في قطاع المقاولات إلى التأثير المباشر على ارتفاع معدل التضخم في المملكة، ولست في هذا المقام بصدد التذكير بالاهتمام الذي توليه الدولة للمواطن في موضوع استقرار الأسعار وضمان عدم ارتفاعها ما يضع وزارة العمل في موقف تحتاج معه إلى رؤية الموضوع من زواياه المختلفة، وأن تعيد إستراتيجيتها في التعامل مع هذا القطاع في ما يتعلق باستقدام العمالة، وأن تُخضع مقترح استثناء قطاع الإنشاءات والمقاولات من برامجها الحالية للمراجعة والنقاش والتحاور خاصة أن الوزارة لا تفرق في أنظمتها وبرامجها بين القطاعات ولا تعطي قطاع الإنشاءات والمقاولات أي ميزة إضافية عن القطاعات الأخرى، وبحسب وكيل وزير العمل أحمد الحميدان "فإن الوزارة لا تستثني قطاعا دون الآخر في نسب السعودة" (جريدة المدينة العدد 17599)، ويمكن للوزارة إذا ما توسعت في منح التأشيرات لهذا القطاع أن تضع الضوابط والاحترازات الكفيلة بتوجيه هذه العمالة لقطاع المقاولات وضمان عدم تسربها إلى قطاعات أخرى، كما يمكن لها أن تضع شروطاً ضامنة للحد من الآثار السلبية المستقبلية لهذا التوسع من نوع تحديد المدة الزمنية لإقامة العمالة المستقدمة بمدة لا تتجاوز الخمس سنوات، بحيث تضمن الوزارة أن جميع العمالة التي يمكن لشركات ومؤسسات المقاولات والإنشاءات استقدامها خلال هذه الفترة ستكون مرتبطة بفترة النمو في قطاع الإنشاءات.
إن التوسع في منح تأشيرات العمالة الوافدة في قطاع الإنشاءات لن يؤثر على توظيف العمالة الوطنية في القطاع الخاص، فوظائف قطاع الإنشاءات ليست من الوظائف الجاذبة أو المطروحة في أذهان الشباب السعودي، وعلى وزارة العمل أن تتعامل بواقعية مع هذا الموضوع وألا تنخدع بالاتفاقيات أو البرامج التي تبرمها قطاعات التدريب مع بعض شركات المقاولات فهذه البرامج لن تنتج سوى أعداد قليلة ربما لا تكفي لسد الاحتياج لمشروع واحد من المشروعات الكبيرة التي تشهدها المملكة في المرحلة الراهنة، كما أن من المهم الاعتراف بأن سوق المقاولات المحلي يقوم في جانب كبير منه على مؤسسات المقاولات الصغيرة التي أصبحت الآن أحد الروافد الرئيسة لشركات المقاولات الكبيرة من خلال ما يسمى بالعقود من الباطن.
هذه ليست دعوة مطلقة لمزيد من استقدام العمالة الوافدة وإنما هي رؤية تحاول الأخذ بأقل الضررين على المواطن، خاصة أن المملكة ستشهد في الخمس سنوات القادمة نمواً متزايداً في الطلب على الإنشاءات نتيجة الزيادة والإسراع في إصدار قروض صندوق التنمية العقارية، إضافة إلى الأوامر الملكية بإنشاء 500 ألف وحدة سكنية، ناهيك عن مشروعات القطاعات الحكومية وشركات التطوير والاستثمار العقاري.