في السابق كان الناس يطلقون على الإنسان الذي يعتكف في بيته ويعتزل المجتمع "بيتوتي"!
والمعنى أنه يلتزم بيته.. فيقضي من الوقت داخل البيت أكثر مما يقضيه خارجه.. فلا يخرج منه إلا للضرورات القصوى.. وهو ما يعني أن الإنسان فرض على نفسه عزلة اختيارية.. أغلق على نفسه الأبواب ـ على اختلافها ـ فلا يعلم ما يدور خارج منزله.. لا يعرف ما الذي يدور حوله.. أو قل: ليس له علاقة بما يجري حوله!
والناس مع البيتوتي في الزمن السابق أصناف.. فمنهم من يتهمه بأنه رجل يعاني مشكلة نفسية، وبالتالي لا يستطيع مواجهة الناس أو مشاركتهم تجمعاتهم ومنتدياتهم ولقاءاتهم!
ومنهم من يذهب إلى أنه رجل صحيح العقل، قوي البدن كالحصان، لكنه سلبي متبلد، ليس له أي دور في الحياة.. يأكل ويشرب وينام ويتكاثر!
وفي المقابل هناك من النساء من تصفه برجوح عقله ـ أو كما يقول أحد أشقائنا العرب: "زلمة عاقل بيتوتي" ـ فهو رجل عاقل، يجلس مع زوجته وأطفاله طيلة النهار والليل، كما لو كانوا في غربة.. لا يفارقهم ولا يبتعد عنهم لحظة واحدة ـ يطبقون درسا في مادة القراءة تحت عنوان: عائلتي الجميلة!
هكذا كنا مع الإنسان الذي لا يخرج من بيته.. فما الذي حدث اليوم؟!
انقلبت الأمور رأسا على عقب.. أصبح الناس يصنفون المتواجد في بيته ـ جوار التقنية والإنترنت والتلفزيون ـ ضمن أكثر الناس حضورا وفاعلية وإيجابية.. بمعنى: لا تستطيع أن تتهم إنسانا لا يخرج من بيته، بأنه سلبي.. أبدا.. أصبح كثير من العاكفين في منازلهم، ذوي فاعلية غير محدودة في الحياة، بل ومذهلة.. مئات الآلاف من السعوديين في منازلهم، لا يخرجون.. لكنهم يملؤون الدنيا ضجيجا.. كأنهم أمواج هادرة.. حوارات صاخبة.. نقاشات لا تعرف الليل من النهار!
كذلك كنا وهكذا أصبحنا.. غير أن الحقيقة المرة أنه ليس ثمة فرق بين الحالتين.. فلا يغرنكم هؤلاء الذين يملؤون الدنيا ضجيجا في مواقع الإنترنت.. هؤلاء هم أكثر الناس سلبية، وأشدهم تخاذلا، حينما يأتي وقت العمل والجد.