دون أن أسأله انثال علي كـ"كومة رمل": "عندي شقة في بيروت" ـ رفع صوته قليلا بعد أن استدارت رقبته ذات اليمين وذات الشمال: عندي بيت في القاهرة.. وشقة في باريس وعندي شقة في الماي فير.. بس منيب بسكن فيها كثير" ـ أسهب في الحديث.. لم تكن هذه لهجته حتى.. يبدو أن النعمة تقوم بتغيير اللهجات أيضا!

خرج علينا الكثير من محدثي النعمة ـ الأثرياء الجدد ـ بعد كارثة سوق الأسهم الشهيرة.. كالطفح الجلدي.. أذكر أحد الأصدقاء من المقيمين في باريس كان يقول لي: شاهدت في السنين التالية لكارثة سوق الأسهم وجوها جديدة لم أكن أشاهدها من قبل، تصرف ببذخ شديد!

الهزّة التي تصيب الإنسان عندما يخسر ثروته ويرتد فقيرا لا يملك شيئا، هي ذات الهزة التي تصيب إنسانا تهبط عليه الثروة فجأة، وينتقل من الفقر إلى الثراء.. الغنى بعد الفقر!

ولذلك فمشكلتنا ليست فيمن ولد ثريا وعاش بيننا ثريا.. هذا نسيج المجتمع في النهاية.. الإنسان الذي عاش في نعمة منذ نشأته، لا يمكن لك أن تلاحظ أي تغيّر يطرأ على سلوكه أو علاقته بالآخرين.. شاهدت أحد الأثرياء في إحدى المدن السياحية خارج المملكة.. كان يسير برفقة ابنته وزوجته فقط، لم يكن يرافقهم أحد ولم تكن تبدو عليهم أي آثار للبطر.. يتصرف بشكل بسيط!

مشكلتنا تكمن فيمن نام وفي فمه ملعقة من تراب.. واستيقظ وفي فمه ملعقة من ذهب.. هؤلاء الذين لبسوا ثيابا ليست ثيابهم.. ينشؤون وتنشأ معهم سلوكيات وعادات تسيئ لنا ولسمعتنا في الخارج كثيرا.. ويعكسون صورة مشوهة عنا.. مؤكد أنكم تتذكرون كثيرا من هؤلاء الآن.