كان الوقت منتصف نهار يوم السبت 12 نوفمبر عندما تطلع الكثيرون في طهران القديمة إلى ثرياتهم وجدرانهم التي تهتز واعتقدوا أنه زلزال. على بعد 50 كيلومترا من وسط طهران في ضاحية كاراج هناك مكان اسمه بيدغانه، وفي هذا المكان وقع انفجار هائل هز العاصمة الإيرانية. ارتفع دخان أبيض كثيف على مسافة عشرة كيلومترات فوق مخزن الأسلحة في إحدى قواعد الحرس الثوري الإيراني العسكرية. خلال دقائق من الانفجار أذاع راديو وتلفزيون إيران الرسميين النبأ على أنه حادث وقع خلال نقل ذخيرة إلى مكان آخر. في تقارير متفرقة، قال الحرس الثوري في البداية إن 27 شخصا قتلوا في الحادث، وفيما بعد تم تصحيح الرقم إلى 17 قتيلا و16 جريحا. بين القتلى كان هناك ضابط كبير في الحرس الثوري اسمه حسن طهراني مقدم.

موت الجنرال مقدم أثار الكثير من التساؤلات. فقد كان مهندسا تلقى تدريبه في علوم الصواريخ البالستية في الصين وكوريا الشمالية. كان مقدم "المهندس المعماري" لبرنامج الصورايخ في إيران وكبير المشرفين على مشروع صورايخ (شهاب3) بعيدة المدى، ولذلك ربما كان يشرف على تحويل أو اختبار صاروخ عندما حدث الانفجار. ومع أن مجلة (تايم) قالت إن استخبارات (الموساد) الإسرائيلية تقف وراء الانفجار في قاعدة الحرس الثوري العسكرية وادعت أنه عمل تخريبي، إلا أن الادعاء لا يتوافق مع السيناريو ولا أحد يعتمد إلى ما ورد في مجلة تايم. قواعد الصورايخ التابعة للحرس الثوري الإيراني تتمتع بحراسة فائقة وهي مناطق بالغة السرية، لذلك ليس من السهل على أي عميل أن يتسلل إلى مثل هذه القواعد، خاصة في مثل هذا الوقت حيث إن النظام في أشد حالات الحذر والحيطة. وجود القائد مقدم في القاعدة العسكرية عند حدوث الانفجار ربما يعزز الاعتقاد بأنهم كانوا يختبرون صاروخا تحت إشرافه عندما وقع الحادث.

من الناحية التقنية، الوقود الصلب الذي يستخدم في الصواريخ خطير ويشتعل بسرعة بمجرد تعرضه لأي شعلة، ما إن يشتعل الوقود الصلب لا يمكن أن ينطفئ حتى يشتعل لآخر قطرة فيه ويسبب الانفجار، بحسب قول الخبراء. الدخان الأبيض الكثيف فوق منطقة بيدغانه الذي تصاعد بعد الانفجار دليل على وجود نوع آخر من المواد المتفجرة. شيء مثل الفوسفور الذي يستخدم كوقود صلب في صناعة الصواريخ.

إن ما كان يجري داخل القاعدة العسكرية الإيرانية تحت إشراف حسن مقدم، مهندس برنامج الصواريخ المعقد في إيران، لن يتم الكشف عنه مطلقا. ذكر تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية مؤخرا أن مفتشي الوكالة كانوا قد وجدوا أدلة على أن إيران تقوم بأبحاث واختبارات حول صنع رأس نووي صغير بما يكفي لوضعه على رأس صاروخ (شهاب3). وقال التقرير إن الأدلة المؤكدة لوجود مثل هذه الأبحاث حتى عام 2003 أكثر من الأدلة الموجود في السنوات التي تلت ذلك التاريخ، لكن تقرير الوكالة أكد أن هناك مؤشرات على أن الأبحاث، بما في ذلك صنع نماذج الكومبيوتر، ما زالت مستمرة. إيران أنكرت هذه الادعاءات وقالت إنها ملفقة ولا أساس لها من الصحة.

شهود عيان في طهران وقرب كاراج تحدثوا إلى الصحفيين المحليين وقالوا إنهم سمعوا في البداية انفجارا صغيرا تلاه انفجار هائل، ولكن لم تكن هناك سلسلة من الانفجارات التي يتوقع سماعها عندما يقع حريق في مستودع ذخيرة. ومع أن هناك الكثير من النوافذ الزجاجية التي تحطمت في منطقة كاراج، حيث يقع مستودع ذخيرة بيدغانة، فإن مراقبين يتحدثون عن عدد أكبر من الضحايا من الرقم الذي ذكرته المصادر الإيرانية الرسمية، كما يتحدثون عن أشلاء ممزقة لا يمكن التعرف عليها داخل القاعدة العسكرية. عندما حدث الانفجار، قام الحرس الثوري الإيراني بإغلاق جميع الطرق المؤدية إلى المنطقة ورفضوا قبول مساعدة المستشفيات وعربات الإسعاف المحلية. عوضا عن ذلك، استخدم الحرس الثوري آلياته الجوية والأرضية لنقل الجرحى والضحايا. عدم السماح للصحفيين أو أي فريق طبي بالاقتراب من المكان يجعل من الصعب إيجاد دليل على أي من هذه الادعاءات.

مع أن المعارضة الإيرانية تعاني من ضغوط كبيرة من قبل النظام وصدرت على بعضهم أحكام قاسية بالسجن، فإن أيا منهم لا يتمنى أن يرى إيران تتعرض لقصف أو هجوم من قوى أجنبية. وإذا استثنينا المعارضة الإيرانية الخارجية، التي لا تتمتع بدعم في الداخل، فإن المعارضة الداخلية تنتقد ولا تؤيد الكثير مما تفعله الحكومة وتتخذه من قرارات، ولكنها تتوحد عندما يتعرض البلد لخطر خارجي. يوم الاثنين 14 نوفمبر، الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، الذي سجن كثيرون من أصدقائه مثل المرشح الرئاسي مير حسين موسوي، حذر من جميع المؤامرات. خاتمي قال إن أفضل طريقة لمنع الخطر والمؤامرة هي في إيجاد مجتمع مفتوح وحر وبمشاركة جميع الأحزاب في الانتخابات البرلمانية القادمة التي ستجرى في شهر مارس القادم.

خاتمي أضاف أنه "إذا جاء أجنبي في يوم من الأيام وأراد أن يتدخل فإن الإصلاحيين وغير الإصلاحيين سوف يواجهون ذلك معا".