للاستبداد طبائع متماثلة كثيرة التشابه والتداخل متعددة الأنساق والوسائل.. وكما تطور الحياة حاجاتها وتتبدل أحوالها ومعايشها كذلك وبنفس القدر يطور الاستبداد طقوسه وشروط استدامته.. ولو قدر للمفكرين العرب عبدالرحمن الكواكبي وابن رشد والفارابي والأفغاني والغزالي وابن سيناء والطهطاوي عود إلى حيواتنا الراهنة لوجدوا الاستبداد قد اكتسى ثوب الأحرار، وحمل عن الرئيس الأميركي أوباما مشاعل الربيع العربي وتمثال الحرية الإنجلوسياسي، وكما أن للناس فيما يعشقون مذاهب يكون لكل مستبد خصوصية يتخذ منها براءة نقاء ومنجاة تحلل من استباحة الدماء.

سورية ليست اليمن.. اليمن ليست سورية

أين يختلفان، وما وجه هذا الاختلاف.. قل إن لكل منهما خصوصية يعتد بها فلماذا يظل الجوهر واحداً؟

فارق الاختلاف في الخصوصية يخص قشور الاستبداد ولا يمس جذوره، ومجال التفاوت يكمن في النسب المئوية للضحايا كما في رأي بعض المحللين، مع أن الأصل في التشريع الإلهي قوله تعالى: (ومن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا).

على أن اختلاف طبائع المستبدين يفرض أنماطاً شتى من المقاومة السياسية والرفض الشعبي ولهذا نستدعي مقولات بعض المذاهب حول ظاهر الأمور وباطنها، ونناقش خصوصية النظام السوري بما هي شيء مغاير عن توأمها في اليمن والعكس تماما على الكفة الموازية.

رأيي أن المستبد الواضح أهون من شقيقه المقنع.. وأن شعباً يدفع حياته انتصاراً لحقه في الحياة أقل تضرراً من آخر لم يعد معظم أبنائه يتذكر معنى الحياة ذاتها وهو ينشغل بتفاصيل معيشته، كما لو أن وجوده على البسيطة يلقي عليه تبعات الحفاظ على مظاهر النشأة الأولى لأبوين وقعا في مكيدة عدو موهوب.

على معنى الحياة، ودلالتها، علاقات الخصب والنماء التي تربط الإنسان بها، وإرادة الناس في تقرير مصائرهم تتصارع القيم أو تتوطد صلات الشعوب بحكامها.

ولكم هي معاني الصراع واضحة عند قراءة المشهد السوري وما أكثر ما يسودها من تشويش واهتزاز في الحالة اليمنية.

ليس لدى النظام السوري مسوحاً يفرك بها عيون المجتمع سوف يجبرك على احترام وضوحه في التعبير عن مضمونه الاستبدادي.. في الواجهة الأمامية من مطار دمشق يمنحك النظام أول صدمة كهربائية تغنيك مشقة البحث عن مضمون الحكم (القائد إلى الأبد حافظ الأسد) ولقد صار الشبل أسداً ضارياً (على ما كان عوّده أبوه) أما في مطار صنعاء فأول مجسم يطالعك صورة صندوق على ثقبه الصغير يتزاحم الناخبون وأول شعار (الشعب مالك السلطة ومصدرها).

الاستبداد الواضح طبع الثورة السورية بنفس سجيته زخماً وقوة واندفاعاً.. ولئن كان للديكتاتورية القمعية من حسنة تذكر فتأثيرها على إنضاج ثورة مكتملة لا تشوبها تسويات أو تعلق على ظاهر وجهها صغائر الباحثين عن صنف جديد من الحلوى (جعالة الثورة)!

يقتل السوريون، ويدركنا شعور عميق يؤكد جدية رغبتهم في إنجاز التغيير الجذري الشامل، ويريدون إسقاط بنية النظام بمكوناتها السياسية والتنظيمية والنظرية ولا يقتصرون في ثورتهم على رأس السلطة (الشعرة السوداء في الثور الأبيض)! لكن هذا ليس نفس ما يحدث في صنعاء.. هنا تسقط الضحايا في سبيل بناء علاقات متوازنة بين المؤتمر الشعبي الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك..

السوريون يناضلون على طريق الانتصار لقيم حداثية، ويتطلعون لاختبار جدواها للمرة الأولى.. الديكتاتورية الخالصة تقتل الحرية ولا تؤدي إلى إجهاض جنينها، ودمشق لم تعود الشعب السوري استضافة مؤتمرات دولية تتغنى بالديموقراطيات الناشئة، تماما كما لا عهد لهم بروشتات الـ (NDI) وأبناء الشام خرجوا كان ملء أفواههم ماء..و(هل ينطق من كان في فمه ماء) على حد وصف الشاعر السوري الكبير نزار قباني.. هم ولا ريب يخرجون إلى الساحات بدافع التغيير الأقرب إلى معنى الحياة.. إنهم يعبرون شفرات السيوف.. هذا واجبهم الديني في مواجهة حاكم يعتبر نفسه كذلك إلى الأبد.. أما في اليمن فإن قيم التغيير ومقومات الحياة وتحديات الحداثة تموت بفعل الإسهالات الحادة!

في اليمن صناديق اقتراع آلية الدفع ذات نتائج معظمهما متفق عليه أو معلوم سلفاً، وفيها تداول سلمي وأول المتحمسين لهذا التداول رأس النظام ولم يفتر حماسه للتداول خلال 33 عاماً مضت.. وديموقراطية صنعاء كما أشرت موضوع شراكة حيوية مع النظام العالمي الجديد، ولدينا سجل شهادات غربية تطري التجربة، ولهذا فإن التسويات السياسية في اليمن تستهلك التغيير وتستنزف الدماء بهدف إعادة إنتاج توافقات الإخوة (الأعدقاء)!

ومن دون مواربة يمكن النظر إلى إرث الاستبداد في العربية السعيدة بوصفه نتاج شراكة طويلة، ربطت النظام بعدد من القوى السياسية التي أوفدتها الأزمات السابقة إلى ساحات التغيير.. ويوم واتتها فرص استلهام اللحظة التاريخية للتحرر من إرث الماضي وتقديم نموذج مختلف من الانفتاح على شركاء خارج تيار المجازفات التقليدية فضلت البقاء في قوقعها السابق، وأوقفت دورها على اجترار سيناريوهات الخصومة مع رأس السلطة دون القيام بمسؤوليات تحديث ومراجعة مساراتها القديمة، إذ التغيير الحقيقي يبدأ بالذات، وإلا تحول إلى عملية تأثيث مكتبي يسترعي صيانة مقتنيات يترنح على قارعة الذرائع.

مشاركة أحزاب المعارضة (المشترك) في دوري الشباب تكاد تجعل التغيير ظاهرة صوتية مشروخة في وادٍ مترامي الأطراف متشعب المزالق.. الأمر الذي تحتد في مواكبته قوى سياسية واجتماعية معترضة منها المنادي إلى (الرحيل المشترك) وفيها المحذر من البديل الأسوأ..

هل صحيح أن الرئيس صالح طراز ثالث من الحكام الذين أتاحوا لشعوبهم إمكانية السير في طرق متعددة لكنها جميعاً تنتهي إلى نقائض التغيير؟ ولماذا ترك البلاد نهباً للعاديات وأوقف ملكاته على ترويض الخصوم وتهجين قادة الرأي الشجعان.. وهل يحتاج اليمن إلى نمط استثنائي من المعالجات حد اعتقاد المثقف السعودي تركي السديري؟ يبدو أن لليمنيين وضعاً ميتافيزيقياً تكتنفه عقوبة الأزل.. مذ أُبدل أهل هذا البلد بجنتيهم جنتان.