• بهذا الشرق المكتظ بالفساد والحروب والدماء.. يفكر الكاتب أن الكتابة تصير في أحد أشكالها استياءً، والاستياء لا يعني التشاؤم بقدر ما يعني الاحتجاج، وقلة الرضا عن الواقع، تلك الحالة من فقدان التصالح مع الوجود والنفس وحتى الكتابة ذاتها. والذي يعبر في طريقه بهذا الأسى لن يتخلص أبداً من استيائه، حيث يصير هذا القلق مادته وجمراته، دون أن يقصد بذلك العداء لشيءٍ أو أحد، وإنما الذهاب بعيداً في مراجعته لقيمته ووجوده ونقده الدائم.. وبهذا الشرق ما من أحد لا يحلم بحياة مختلفة ومفارقة، والمشغولون بالفنون والكتابة هم أكثر الناس إيغالاً في حلمٍ كهذا، وأعني بالحياة المختلفة تلك التي تخرج عن حياة السواد، بشرط كرامتها واكتفائها، وليس لمجرد المفارقة والخروج، لكن الزمن الضاغط الذي يعيشه الإنسان في الشرق، يجعل من هكذا حلم شيئاً مثيراً للشفقة وأحياناً للسخرية.. ومرةً أخرى فإن أكثر الذين ينساقون خلف عنادهم ويصرون على الحلم بهذه الشفقة والسخرية هم أهل الكتابة والفنون. مرةً قال الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط: "لقد هزمت الأشياء الكبيرة في حياتي، لكن فاتورة الكهرباء هزمتني".

• العيش في بلدان المشرق، هذا الجزء المريض من جسد العالم وروحه، بقدر ما يجعل الفنّ والكتابة إيغالاً في مهاجمة هذا الواقع والصراخ بوجهه وكشفه حتى سحيقه، بقدر ما يجعل الفن والكتابة في اللحظة نفسها هرباً من شراسة هذا الواقع وعدوانيته. الهرب الأسيان إلى معنيي الفردانية والحرية في رواية أو قصيدة أو لوحة.. إلخ، عوضاً عن فقدهما داخل البيت والحيّ والمدينة والمجتمع والنظام.. وبالضرورة فإن الإنسان المأخوذ باستقلاليته حين لا يجد من حواليه سوى من يسعى لنهبها فإنه يضطر إلى أحد طريقين؛ إما الرحيل إلى الخارج، أو الانكماش إلى داخله وعزلته وعالمه الخاص، ليضمن الابتعاد عن البشر، وبناء جدارٍ عازلٍ ما بينه وبينهم، لا تعالياً.. ولكن كي لا ينالوا من اختياره ولا سلامه!.

• في هذا الجزء من العالم، في هذا الشرق المرتبك، يفهم الكاتب أن أجمل ما تفعله المعرفة والفن والفلسفة بداخلنا.. هو أقسى ما تفعله في الوقت نفسه، إنها تقذف بنا إلى العزلة ثم تجردنا شيئاً فشيئاً من الأوهام لنواجه هذا الكون كله فرادى، دون الاختباء خلف خرافةٍ أو ثقة بشيء جاهز.. لأن الثقة بالأشياء الجاهزة والمكتملة سلفاً استلابٌ وجحود لماهية الطبيعة.