أثارت حوادث الاعتداء المتتالية على مركبات ساهر جدلاً واسعاً في الرأي العام السعودي، فالبعض يرى أن سبب هذه الحوادث راجع إلى الانتقادات التي وجهت إلى "ساهر"، واصفين هذه الانتقادات بالمحرضة، والبعض الآخر يرى أن "ساهر" أصبح نظام جباية لا نظام حماية مما آثار غضب المجتمع عليه، وهناك من يرى وجود نقص في الوعي الاجتماعي في التعامل مع ساهر في ضبط المخالفات المرورية.

في الحقيقة أن جميع الآراء السابقة تشكل موضوعاً رقابياً مهماً، تحرص كثير من الجهات الرقابية على تنفيذه، ناهيك عن اهتمام السلطة التشريعية في المقام الأول بمدى نجاح هذه التقنية في تحقيق الأهداف المطلوبة منها، ومعرفة المشاكل المحيطة بها.

وقبل الخوض في هذا الموضوع، لابد في البداية أن نتطرق إلى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى استخدام تقنية كاميرات المراقبة عن طريق نظام ساهر، ومن ثمّ نحدد المعايير المطلوبة لقياس أداء هذا النظام، وعليه يمكن أن نتوصل إلى نتائج متوقعة يمكن من خلالها فتح باب النقاش حول الحكم على نظام ساهر و معرفة مدى نجاحه في تخفيض نسب الحوادث على الطرقات وذلك بطريقة موضوعية وحيادية، وتجدر الإشارة هنا أن مواضيع النقاش سوف تكون افتراضية تحتاج إلى أدلة إثبات، ولكن يمكن القول بأن الهدف من ذلك هو كما ذكرت آنفاً فتح باب النقاش بشكل موضوعي بدلاً من مناقشة المشكلة بشكل عاطفي.

إن المنهج العلمي لمعالجة مشكلة المخالفات المرورية يتطلب النظر في المخالفات المرورية الأكثر خطورة والمسببة مباشرة لحوادث مرورية ومعالجتها أولاً ومن بعد ذلك ينظر في المخالفات المرورية الأخرى مرتبة حسب درجة الخطورة، وفي هذا السياق تشير الإحصاءات السنوية للحوادث المرورية في المملكة إلى أن السرعة هي السبب المباشر في كثير من الحوادث يليها تجاوز الإشارة الحمراء ، وهذا يعني أن هاتين المخالفتين تشكلان السببين الأهم في المشكلة المرورية في المملكة مما يعني ضرورة البحث في استخدام الأساليب التقنية الحديثة للاستفادة منها في التخفيف من هذه المشكلة .

وبناءً على ما سبق، قامت الإدارة العامة للمرور بالتعاقد مع القطاع الخاص للمساهمة في إدخال هذه التقنيات وتشغيلها لقاء مردود مالي متفق عليه، وذلك لعدة أسباب هي ما يلي:

• الحد من المخالفات المرورية وبالتالي الحد من الحوادث.

• توفير الموارد البشرية لأعمال أخرى.

• ضمان رصد المخالفات على مدار الساعة.

• خفض الأعباء المالية المصاحبة للحوادث.

• امتلاك أدلة غير قابلة للرفض من قبل السائقين المدانين بمخالفات مرورية.

وتأسيساً على ما تقدم، فإنه يمكن مراقبة برنامج أو نظام "ساهر" من خلال العناصر الثلاثة الرئيسية للأداء وهي (الاقتصادية، الكفاءة، الفاعلية) مع تحليل كافة المخاطر المحيطة بالنظام، وذلك على النحو التالي:

أولاً/الاقتصادية: هل استطاع نظام ساهر الحد من التكاليف الاقتصادية المصاحبة للحوادث المرورية؟، وما قيمة المبالغ التي تم توفيرها جرّاء ذلك في السنة الواحدة؟، ومن ثم يتم مقارنة هذه التكاليف وهذه المبالغ بتكاليف الحوادث السابقة لساهر.

ثانياً/الكفاءة: هل هناك إشراف مناسب من قبل إدارات المرور المعنية على الشركات المشغلة؟ هل التقنيات المستخدمة في المراقبة المرورية مطابقة للمعايير القياسية؟ وهل تم توزيع هذه التقنيات بشكل مناسب على الطرق والأحياء؟ وما هي المخاطر والصعوبات التي تواجه هذه التقنيات؟ وما هي الأساليب أو الإجراءات التي تحد من هذه المخاطر؟ وهل قامت بتحديد هذه الإجراءات كل من إدارات المرور أو الشركات المشغلة؟.

ثالثاً/الفاعلية: هل تم بالفعل خفض نسب الحوادث وعدد الإصابات؟ ويتم مقارنة هذه النسب من خلال إحصائيات المرور للأعوام السابقة، كما يتم تحديد الأسباب الأخرى للمخالفات والحوادث المرورية مثل التصميم الهندسي للطرق، حيث إن التصميم الهندسي المثالي للطريق ولوسائل التحكم المروري عليه (الإشارات الضوئية واللافتات المرورية والعلامات الأرضية) يساهم بدرجة كبيرة في الحد من المخالفات المرورية خاصة تلك المخالفات التي لا يتعّمد مقترفوها ارتكابها، أو على الأقل فإن المحافظة على التصميم المثالي للطرق يحصر مسؤولية المخالفة أو الحادث على السائق تماماً.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لابد من دراسة المخالفات المرورية والتي منها مخالفة السرعة، ومقارنة الإحصائيات من سنة لأخرى في ظل تشغيل كاميرات المراقبة من خلال " ساهر"، لأن السرعة القانونية يجب أن تكون محسوبة بطريقة علمية تجبر السائقين على احترامها؛ حيث إن وضع سرعة قصوى على سبيل المثال على طريق سرعته التصميمية عالية سيزيد من احتمال مخالفة السرعة، وما ينطبق على السرعة ينطبق على باقي المخالفات الأخرى، وهذا ما يجب أخذه في الاعتبار عند الرقابة على عنصر الفاعلية.

هذا باختصار شديد فيما يتعلق بتقييم أداء نظام "ساهر" ، وهذا التقييم ليس بالأمر السهل، فكما رأينا آنفاً فإن عناصر الأداء تحتاج إلى تخصصات وخبرات فنية مختلفة للقيام بهذا التقييم، وتحتاج أيضاً إلى كم هائل من المعلومات والتي بدورها تحتاج إلى تحليل ودراسة من كافة الجوانب حتى يمكن الاعتماد عليها؛ وبالتالي فإن الآراء المختلفة والتي تناولت مشكلة "ساهر" والمخالفات المرورية تنم عن ردة فعل عاطفية تجاه هذه المشكلة، سواء كانت هذه الآراء مؤيدة ومدافعة عن "ساهر" ، أو كانت معارضة ومنتقدة له.

إننا في عصر تزداد فيه المشاكل المرورية حدة وتعقيداً، وتكثر وجهات النظر المتعلقة بتشخيص هذه المشاكل وطرق مواجهتها وسبل حلّها، لذا من الضروري جداً أن تكون عمليات الشرح والتفسير والإيضاح لهذه المشاكل معتمدة على التحليل الموضوعي والتفسير العلمي لها، ويجب أيضاً أن تهتم جميع الجهات المعنية بنشر الثقافة المرورية في المجتمع وفقاً لهذا المبدأ.