قبل ثلاث سنوات، دعوت في برنامج تلفزيوني إلى إنشاء جهة لمواجهة الكوارث، وأجدني اليوم أعيد الاقتراح نفسه، وخاصة مع وجود احتمالات الكوارث الطبيعية والبشرية، إذ تظل هذه الاحتمالات قائمة دائما لوقوع كارثة ما، وكم من كارثة حصلت في غفلة منا، وما زلنا نتذكر هذه الكوارث المتلاحقة، وحادثتين مأساويتين حصلتا مطلع هذا الأسبوع في كل من جدة وحائل، حيث احترقت مدرسة للبنات في الأولى، كانت مناظر الاحتراق تحرق القلب قبل العين، وفي الثانية أيضاً توفيت 12 طالبة جامعية وسائقا السيارتين نتيجة حادث سير مؤلم، ومع الأسف الشديد أن كلتا الكارثتين السابقتين تجعل من البنية التحتية والرقابة على مواصفات المنشآت وتحسينها أمرا متعلقا بقضية الموت الكارثي مباشرة.
ولو عدنا قليلاً إلى أحداث الكوارث الطبيعية التي تم تسجيلها خلال السنوات الثلاث الماضية لوجدنا أن التأخر أو القصور في مواجهة الكارثة يلازمه رغبة ملحة لدى المواطن والمقيم في العمل التطوعي الفوري أثناء الحدث، ونجد الأمر نفسه يتكرر مع حادثة حريق مدرسة براعم الوطن بجدة، حيث أنقذت المعلمة الشهيدة ريم النهاري طالباتها الصغيرات وتوفيت أثناء قيامها بذلك.
ومن الطبيعي وجود الكوارث الطبيعية إلى جانب البشرية بصرف النظر عن النسبة الأكبر لإحداهما، إذ ما زلنا نتذكر زلزال العيص قبل ثلاث سنوات وهو الأمر الذي جعلني أقترح ذلك الاقتراح، ولا سيما أننا غالباً نكون غير مستعدين تماماً للكارثة مما يجعل التخفيف من حدتها أمرا خارج الإرادة، لذلك فهناك حاجة لإنشاء هيئة تعنى بشؤون الكوارث ومتابعتها على ثلاث مستويات: قبل وقوع الكارثة وأثناءها وبعد أن تنتهي، ويكون من مهام هذه الهيئة محاولة تجنيب البشر أضرار الكوارث بشتى أشكالها وأنواعها، ومن ذلك الحرائق وانهيارات المباني، إضافة إلى حوادث الغرق وأخطار الفيضانات والسيول والأعاصير، وغيرها.
ولا أظن حوادث السير في المملكة يمكن أن تكون مستثناة من التصنيف الكارثي، لأنها أصبحت ظاهرة ضاغطة.. وباتت تقتل الأرواح بشكل هستيري أكثر قساوة من الكوارث الطبيعية ذاتها.. لأنها مستمرة، أشبه بآلة للقتل، وخاصة أن بعض الإحصاءات يشير إلى أن المملكة تمثّل أعلى نسبة حوادث سير في العالم، إذ سبق أن صنفت منظمة الصحة العالمية السعودية بأنها الأعلى عالمياً في معدل الوفيات بسبب حوادث المرور. وهذا يعني أننا أمام خطر حقيقي لا يقل عن أخطار الحريق والانهيارات والغرق.
وبما أن الضحية هو ذلك الإنسان في نهاية الأمر فإن مثل هذا الإحصائيات تعطي مؤشرات مقلقة لحال الأزمات المفاجئة والكوارث مستقبلاً، وخاصة مع ازدياد نسبة السكان.
وإدارة الكوارث ليست معنية فقط بمواجهة الكوارث مباشرة، بل يمتد دورها ومهامها عبر الدراسات والبحوث في مجال الكوارث لرصد الاحتمالات، وإيجاد الحلول، والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في مواجهة الأوضاع الكارثية المفاجئة، سواء على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي، ويعتبر الدور التوعوي مهما في هذا الأمر أيضاً، فقد أصبحنا نقارن اليوم بين وضعنا الاقتصادي وقدرتنا على مواجهة الحالات الطارئة، فعلى الرغم من ذلك ما زالت قدرات إدارة الدفاع المدني محدودة مقارنة ببعض الأحداث الضخمة كالزلازل والفيضانات، صحيح أن دور الدفاع المدني وقوى الأمن الأخرى محوري في كل الحوادث لأن مهمتهم حماية الإنسان من الضرر، ولكن لا يفترض أن نحمّل القائمين عليها ما لا يحتملون، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هم مسؤولون مسؤولية كاملة عن طريقة التعامل مع الحدث بالسرعة المطلوبة في ذلك، ولي أن أتذكر الآن حادثة (فتاة البئر) التي سقطت في بئر ارتوازية بأم الدوم بمحافظة الطائف وفشلت 5 فرق من الدفاع المدني في إنقاذها رغم العمل لعدة أيام، تذكرت هذا الموقف حين شاهدت ما بثته قناة العربية حول محاولة فرقة الدفاع المدني لناقة سقطت في بركة مملوءة بالمياه نتيجة الطريقة الخاطئة التي تم إنقاذها بها لتموت غرقاً!
هنا تبرز الحاجة إلى وجود الإمكانات من الآليات والكوادر المدربة بالنسبة للدفاع المدني في الحوادث التي يفترض أنها ضمن إمكانياتهم واختصاصهم، لكن هذا لا ينفي أنهم ربما يبقون عاجزين أمام كارثة أكبر كما يحصل في بقية العالم كالفيضانات وحرائق الغابات والزلازل والبراكين، وهنا تبرز أهمية وجود هيئة متخصصة لديها القدرة على مواجهة الكوارث قبل وبعد، ويكون لها أيضاً تقديم الحلول والتدريب للعناصر في مواجهة الكارثة مادياً ومعنوياً، وقد تكون الكوارث المحتمل حدوثها في المملكة باستمرار هي السيول والهزات الأرضية، ولكن هذا لا يعني عدم إمكانية حصول أي نوع الكوارث الأخرى، ولا سيما أن مفهوم الكارثة هو الحدث المفاجئ غير المتوقع الذي يهدد حياة الناس ويشعرهم بفقدان الأمن، وربما لو تم التهيؤ لهذا الأمر فنحن أمام خيارات عديدة يمكن أن تحول أمام هول المفاجآت، مع العلم أن أهم أمرين مؤثرين في حدوث الكوارث البشرية هما: الإهمال وعدم وجود وسائل السلامة، لذلك نجد أن السبب الرئيس لهلاك الأرواح ودمار الممتلكات هو عدم توفر مواصفات ووسائل السلامة في المباني، إضافة إلى عدم وجود وسائل نقل آمنة نسبياً بالمترو والقطارات التي قد تقينا أهم كارثة بشرية نواجهها اليوم وهي حوادث السير.