إن قضية المرض النفسي لم تعد حبيسة البيوت والعيادات والمستشفيات بل أصبحت قضية رأي عام. وقضايا الرأي العام تجد من يسمعها إذا طرحت من كتاب يحظون باحترام وتقدير القراء، وهذا ما لمسته في كتابة الأستاذ نعيم الحكيم أحد الكتاب المتميزين في طرح القضايا المهمة والمرتبطة بالمجتمع، أتابعه منذ سنوات في الشقيقة "عكاظ" ويعتمد في طرحه على البحث العلمي والاستقصائي والإحصائي، ومن أهم المواضيع التي طرحها الأسبوع الماضي في العدد 16522 من عكاظ يوم الخميس 28 ذو الحجة 1432 قضية الأمراض النفسية، حيث يدق جرسا مهما جداً ليفتح قضية قديمة حساسة لا يرغب معظم المتعاملين معها التطرق لها بالتفصيل، وفي الحقيقة هي كارثة تواجه المجتمع السعودي. حيث إنني أتابع هذا الموضوع منذ عشر سنوات بحكم ارتباط أحد استثماراتي بالشباب السعودي، الذي تشير جميع الدراسات والأبحاث إلى أن ستين في المئة من المرضى نفسيا هم من فئة الشباب من الجنسين، وهي كارثة تنعكس سلباً على سلوكهم داخل المجتمع، وهي قضية تعد الجذور للقضايا الأخرى، ومنها الإرهاب والإدمان والسرقات وجرائم التحرش الجنسي وإثارة الفوضى وارتفاع حالات الطلاق.

وحسب تصريح مدير عام الصحة النفسية والاجتماعية في وزارة الصحة الدكتور عبدالحميد الحبيب عن ارتفاع نسب الأمراض النفسية في المجتمع يوضح سعادته أن حوالي نصف مليون مريض نفسيا يراجع العيادات النفسية في المستشفيات والمراكز والعيادات الخاصة، ونسبة المرضى نفسيا المنومة في المستشفيات تتجاوز العشرين ألف مريض. وحسب بعض المؤشرات المبنية على التوقعات المرتبطة بالتحليل الإحصائي للسعوديين وغير السعوديين أن هناك عددا مماثلا أو أكبر يعاني من المرض النفسي، لكنه لا يجرؤ أن يعرض نفسه على العيادات المتخصصة، إما لخوفه من نظرة المجتمع أو نظرة الزملاء أو الأهل فيلجأ إلى العلاج النفسي لدى بعض مدعي العلاج النفسي بالشعوذة، وفئة أخرى مقتدرة تلجأ لعلاج مرضاها خارج الوطن وفي الدول المجاورة منها مصر ولبنان والأردن وهي من الدول الأرخص علاجاً، وأكثر انتشاراً لعيادات ومراكز ومستشفيات العلاج النفسي أما الميسورون فيعالجون في بعض دول أوروبا وأميركا.

للحقيقة أن القضية هي واقع فعلي نعيشه ويعاني منه جميع فئات وطبقات المجتمع وهي ليست حكراً على الفقراء دون الأغنياء، بل هناك إحصائية تؤكد أن أبناء الأغنياء هم الأكثر تعرضاً للأمراض النفسية، لعدم وجود ما يشغل تفكيرهم وينعش طموحهم ويدفعهم للعمل. وفي المملكة يؤكد أحد المتخصصين أن أعلى نسبة للأمراض النفسية لدى المرأة هي عند المطلقات، وأعلى نسبة عند الرجال هي عند الشباب العاطلين عن العمل، ويوضح استشاري الصحة النفسية في أحد المستشفيات المتخصصة أن الإدمان أحد أهم أسباب الأمراض النفسية لدى الشباب، ومع اختلاف وجهات النظر يؤكد بعض المشايخ أن ضعف الوازع الديني لدى الشباب يدفعهم إلى أعمال منافية للدين توقعهم في حالات الاكتئاب والاضطراب النفسي نتيجة ارتكابهم ما يغضب الله.

أما الاكتئاب النفسي لدى المثقفين فله أسبابه المتعلقة بالهم الذي يحملونه. أما اكتئاب رجال الأعمال فيأتي في غالب الأحيان بعد الانتكاسات الاقتصادية والأزمات المالية مثل أزمة الأسهم في المملكة في الأعوام الماضية، أو بسبب الديون المتراكمة التي تؤدي إلى إفلاسهم مثل إفلاس بعض رجال الأعمال في السوق السعودية مؤخراً، وهي أسباب قوية لإصابة رجال الأعمال وأبنائهم وعوائلهم بأمراض نفسية قاسية، أما الأمراض النفسية التي تواجه المتقاعدين فهي النسبة العالية جداً، ويأتي التقاعد على قائمة الأسباب الرئيسية للمرض النفسي في سن الستين عاما للموظفين المدنيين، وبعد سن الخمسين للموظفين العسكريين المتقاعدين.

إن قضية الأمراض النفسية في المجتمعات الفقيرة قد تكون قضية عامة ولها مبرراتها، وحالة الشفاء منها سريعة في حالة تحقيق أي تحسن طفيف في ارتفاع مستوى المعيشة وانخفاض مستويات الفقر ولو بنسب بسيطة جداً. أما القضية الكبرى فتتواجد في المجتمعات التي تتفاوت فيها طبقات سكانها وعلى وجه الخصوص بين الطبقة الفقيرة والغنية مثل طبقات مجتمعنا في دول الخليج. والقضية ليست وليدة اليوم وإنما هي قضية قديمة تطورت أعدادها وتنوعت أشكالها، واختلفت آثارها، وأخشى إن لم نخطط ونستعد لمواجهتها بتسخير جميع الإمكانات المادية والبشرية والتقنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية أخشى أن نواجه كوارث اجتماعية، أسبابها الرئيسية جذورها المتأصلة في الأمراض النفسية، فالجميع معرض للمرض إذا لم نحمهم من أسبابه ونعالج مقوماته، فكابتن الطائرة وقائد السفينة وسائق السيارة والقطار معرض للمرض وآثاره وقد ينعكس ذلك سلباً على أمن الأرواح البريئة في الطائرة والسفينة والسيارة والقطار، وكذلك الحال بالنسبة للأطباء والممرضين والجراحين ومسؤولي المختبرات الطبية، هم أيضاً معرضون للمرض وآثاره وانعكاساته على المتعاملين معهم. وكذلك الحال للقادة الإداريين الذين يرتكبون أخطاء جسيمة نتيجة أمراضهم النفسية. ومع إهمال أهمية علاج هذا المرض لعدم الإحساس به كوباء فإن الإمكانات المتاحة للعلاج جداً متواضعة في المملكة، حيث يتنافس حوالي نصف مليون مريض نفسيا على العلاج في واحد وعشرين مستشفى ومئة عيادة في جميع أنحاء المملكة، ويتقاعس القطاع الخاص عن دخول مجال الاستثمار في المستشفيات النفسية، لما لها من حساسية اجتماعية، حتى لو كانت ذات عوائد اقتصادية عالية، كما أن تساوي تمويل المشاريع من الأجهزة الحكومية المعنية بالتمويل للمستشفيات الخاصة بالتمويل للمستشفيات العامة الأخرى هو أمر ليس فيه عدالة، نظراً لأهمية المشروع، علماً بأن التمويل لهذا النوع من المستشفيات المتخصصة للعلاج النفسي يحتاج إلى مساحات أكبر من الأراضي، وإمكانيات ترفيهية وتخصصات بشرية متميزة للعلاج مع وقت للعلاج أطول مقارنة بالمستشفيات الأخرى.

وفي غياب هذه الإمكانيات سيظل العلاج متواضعاً لهذا المرض، وستزداد نسب المرضى، وأخشى أن نواجه كوارث اجتماعية وسياسية من أفراد فقدوا القدرة على السيطرة على تصرفاتهم وسلوكهم، وأصبحوا رهن تصرف بعض الأفكار الهدامة والأفكار الإرهابية المستوردة.

إن قضية المرض النفسي هي قضية العصر، ومن وجهة نظري أن الاضطراب النفسي يسهم حتماً في الاضطراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهي قضية مجتمع في وطن يحوي أبناءنا وبناتنا وزوجاتنا وأمهاتنا.. فهل نعترف بالحقيقة أم نستمر في كبريائنا ونقول نحن غير ولمصلحة من؟