يوافق اليوم بداية العام الهجري الجديد؛ وأرجو أن يتقبل الجميع تهنئتي ببلوغه، علماً بأن حق عدم قبولها مكفولٌ لمن لا يرغب. قلت هذا لأن بعضنا يجد غضاضةً في مسألة التهنئة بالمناسبات، معللاً رفضه بأن التهنئة بيومٍ معين في السنة تُلحقه بالأعياد، وقد نهينا عن غير عيديْ الفطر والأضحى، وأن في ذلك تشبهاً بغير المسلمين، وأن في ذلك فتحاً لباب التهنئة بمناسبات دينية ودنيوية أخرى، وأن هذا لم يكن منعقداً في زمن الصحابة رضي الله عنهم.
لن أناقش تعليلات الممانعين كلها، ولكني أتوقف عند عدم فعل السابقين لأنبه إلى مسألة هامة؛ وهي أن مجرد (عدم الفعل) ليس دليلاً على التحريم والنهي، وأن التهنئة بالعام لا تتعدى كونها عادة، وتودُّد، وإفشاء للسرور والبِشر في وجه البَشر؛ يُراد بذلك الدعاء والتمني، بشرط ما ذكره اللغويون من نصب كلمة (كلَّ). الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله نقل في رسالته: (وصول الأماني بأصول التهاني) المضمنة كتابه الشهير (الحاوي للفتاوي) 1/83: "أن الحافظ أبا الحسن المقدسي سُئِل عن التهنئة في أوائل الشهور والسنين: أهو بدعة أم لا؟ فأجاب: بأن الناس لم يزالوا مختلفين في ذلك، قال: والذي أراه أنه مباح، ليس بسنة ولا بدعة"؛ ومنه نفهم أن التهنئة وإن كانت عند البعض ليست مشروعة، لكنها غير ممنوعة، ولا يمتنع من لا يريد التهنئة عن إجابة من هنأه.. يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "أنا لا أبتدئ أحداً، فإن ابتدأني أحدٌ أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنةً مأموراً بها، ولا هو أيضاً مما نُهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة" مجموع الفتاوى للشيخ ابن تيمية 24/233.
مسألة أخرى تتعلق بالعادات التقليدية المترسخة لدى الأجيال والمتمثلة في المطعومات المخصوصة بالمناسبات، ومن ذلك ما يستحسنه البعض ـ رغم شيوع التقنيات وغيرها ـ من عادة لبس البياض وشربه كالحليب، فمع مطلع أول يوم من العام الهجري الجديد تقوم النساء بتسخين الحليب تفاؤلاً بقدوم العام الجديد ليكون أبيض نقياً حاملاً الطيب وصفاء القلب، وقد يتضمن طعام الإفطار البيض والكراث للونه الأخضر، وتتضمن وجبة الغداء الملوخية للونها كذلك، كل ذلك من باب التفاؤل لا غير، ولا أظن أن أحداً من عقلاء المعمورة يظن أن من يفعل ذلك ـ لو أراد ـ إنما يفعلها من باب العبادة، فالمسألة مسألة متعلقة بالعادات، والعادة حقٌ محض لكل آدمي يحقق بها مصلحة شخصية له. يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: "..القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة، لأن شرط العادة التي يقضي بها ألا تنافي الأحكام الشرعية؛ فهي تدخل تحت أحكام الإباحة.." ـ مقاصد الشريعة الإسلامية ص: 61، والأمر متعلق بالتفاؤل، وفي الحديث المتفق على صحته: "يعجبني الفأل الصالح"، والأمر من قبلُ ومن بعد خيارٌ مفتوح، لا أقل ولا أكثر.
نقطة أخيرة متعلقة بالتقويم الهجري وبداية العام تحتاج إلى تذكير، وهي أن الكثيرين يظنون أنه صلى الله عليه وسلم، هاجر من مكة المكرمة متجهاً إلى مدينته المنورة في الأول من محرم، وهو خطأ شائع؛ فالصحابة حين أرَّخوا اعتمدوا الهجرة كبداية، ولم يعتمدوا الشهر الذي هاجر فيه صلوات الله وسلامه عليه وهو شهر ربيع الأول، واختاروا المحرم كبداية للسنة. أسأل الله تعالى أن يحول حالنا دائماً إلى أحسن حال، وأن يجعل عامنا الحالي من أبرك الأعوام.