بعد نقاش طويل حول أهمية دعوة مجلس (لويا جيرجا) – مجلس الشيوخ- التشاوري، استطاع الرئيس قرضاي أخيرا أن يقنع الآخرين ويدعو المجلس للانعقاد في كابول على مدى أربعة أيام. رغم جميع الاعتراضات على الـ (لويا جيرجا) الذي يعتبره كثير من السياسيين وأعضاء البرلمان غير دستوري وغير شرعي، ضغط الرئيس قرضاي باتجاه انعقاده لأن الموضوع الذي سيتم نقاشه هام جدا؛ وهو السماح أو عدم السماح للولايات المتحدة بإنشاء قاعدة عسكرية في أفغانستان. مجلس (لويا جيرجا) التشاوري، الذي كان قد شكل لدراسة اقتراح المعاهدة الإستراتيجية بين أفغانستان والولايات المتحدة، نصح الرئيس الأفغاني بتوقيع الاتفاقية. أكثر من 200 شخص تجمعوا من مدن وأقاليم مختلفة، بعضهم أعضاء مجالس محلية، بعضهم حكام ولايات، وبعضهم أعضاء في البرلمان، جميعهم اتفقوا على ما للرئيس قرضاي مصلحة في أن تتم الموافقة عليه لكنه كان يحتاج إلى دليل على تأييد قوي لختم هذه الاتفاقية.
أفغانستان بلد يعاني من الضعف وعدم الاستقرار بعد 10 سنوات من الحرب ضد الإرهاب و30 عاما من الحرب الأهلية، ولذلك لا يمكنه أن يستمر بعد رحيل القوات الأجنبية في نهاية عام 2014 ما لم تدعمه قوة عظمى مثل الولايات المتحدة. في رأي كثير من الأفغان، هناك ضرورة لوجود قاعدة عسكرية أميركية لفترة من الوقت على الأقل. بحسب الدستور، في حال وجود البرلمان لا ضرورة لمجلس (لويا جيرجا). لماذا إذا أصر الرئيس قرضاي على انعقاد هذا المجلس في الوقت الذي كان فيه البرلمان مستعدا لعمل الشيء نفسه دون تكاليف إضافية؟
بما أن العلاقات بين الرئيس قرضاي وأعضاء البرلمان مضطربة فإنه ربما يجد أن الأمر أكثر حساسية وصعوبة من أن يترك القرار فيه لبرلمان يضم الكثير من المعارضين، لكن ما يزعج أعضاء البرلمان أن الرئيس قرضاي لن يحصل فقط على موافقة (لويا جيرجا) على التوقيع على المعاهدة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنه سيحصل أيضا على ضوء أخضر للعودة إلى مفاوضات السلام مع طالبان، والتي توقفت منذ اغتيال برهان الدين رباني في سبتمبر الماضي.
لكن ما أدهش الصحفيين والأجانب في أفغانستان وأصبح حديث الساعة لا علاقة له بالمعاهدة مع الأميركيين أو بحركة طالبان. كان الأمر يتعلق بأحد أكثر المواضيع الوطنية المثيرة للجدل في أفغانستان حول الرقم 39. أعضاء الـ(لويا جيرجا) عددهم 2200 شخص وتم تقسيمهم إلى 40 مجموعة عمل، لكن أعضاء المجلس رفضوا أن يكونوا أعضاء في اللجنة رقم 39، وبعد يوم من الجدل تم التوصل إلى قرار بإلغاء اللجنة 39 وقفز الرقم من اللجنة 38 إلى اللجنة 40، بحيث أضيفت لجنة حملت الرقم 41. يبدو أن في أفغانستان كل شيء يتعلق أو يرتبط بهذا الرقم يعتبر معيبا. منذ عدة سنوات، عندما كانت الشرطة تضع لوحات للسيارات في كابول وبدأت الأرقام بالصدفة بالرقم 39، رفض الجميع أن يستلموا اللوحات لسياراتهم. ما يقولونه عن هذا الرقم وسبب رفضهم له ليس واضحا حتى بالنسبة للأفغان أنفسهم. إنهم يعتقدون أنه يعطي معنى خادشا للحياء!
سألت عدة أشخاص حاضرين في مجلس (لويا جيرجا) حول ما إذا كانوا يعرفون سبب ارتباط هذا المعنى بالرقم 39، لكن معظمهم هزوا رؤوسهم بالنفي، لكن أستاذا جامعيا اسمه الدكتور إبراهيم قال لي إن جذور هذا الاعتقاد لها علاقة بالمادة 39 من الدستور الإيراني التي تناقش الدعارة والزنا، لكن الفضول دفعني للاطلاع على الدستور الإيراني والمادة 39، لكنني لم أجد أي شيء له علاقة بالموضوع الذي يتحدثون عنه.
دبلوماسي أجنبي في كابول، طلب عدم ذكر اسمه، سمع قصة مختلفة تقول إنه منذ سنوات طويلة، كان هناك بيت سيئ السمعة يحمل نفس الرقم. هذه الروايات المختلفة المثيرة للضحك قد تتحول إلى موضوع شائك ومزعج في واقع الحياة أحيانا. هذا ينطبق مثلا على السيد شريف الله، وهو يعمل نجارا، لأن لوحة سيارته تنتهي بالرقم 39. شريف الله يكافح يوميا ليغطي الجزء المعيب من اللوحة وهو يريد أن يتخلص من هذه السيارة المشينة كلها. قام بتغطية الرقمين الأخيرين بالطين، لكنه أحيانا يذهب عندما تتعرض السيارة للماء. وفي إحدى المرات تبعته سيارة وأطلق سائقها البوق وهو يسخر منه. حاول كثيرا أن يبيع السيارة بنصف ثمنها دون جدوى.
وروى لي سياسي أفغاني، طلب مني أيضا عدم ذكر اسمه، حكاية مختلفة حول أصل الرقم 39 سيئ السمعة. قال لي إن اللغة العربية لغة هامة في أفغانستان لأنها لغة القرآن، وعندما يبدأ أي شخص بتعلم اللغة العربية فإنه يتعلم أرقام أبجد أولا. رقم 39 حسب أرقام أبجد يكون كلمة (داله)، وتعني بالفارسية معنى خادشا للحياء.
أرقام أبجد نظام للأرقام العشرية يتم بموجبها إعطاء الأحرف الأبجدية العربية قيما رقمية. وحسب هذه الحسابات، الرقم 39 هو مجموع عدة أرقام يعطي مجموعها الناتج 39. هذا الرقم المحرج هو الذي جعل مجلس (لويا جيرجا) يقضي عدة أيام وهو يناقش مشكلة الرقم 39. فلم يكن أحد يريد أن يقيم في الغرفة رقم 39 أو يكون عضوا في اللجنة 39 أو يكون لديه جوال ينتهي بهذا الرقم، وكانت تلك المشكلة أهم من القضية التي اجتمعوا من أجلها في كابول. تم إنفاق ملايين الدولارات كي يأتي 2200 شخص ويناقشوا مستقبل البلد، لكنهم عوضا عن ذلك وجدوا قضية مختلفة أثارت اهتمام الدولة كلها أكثر من أي شيء آخر. الرقم 39 سيئ ويجب إلغاؤه من حياتنا تماما!