عملية الإصلاح وظيفة أولى وأساسية للدولة، بل إن الدولة الحديثة التي تستوعب ذاتها جيدا عليها أن تدرك أن الإصلاح بالنسبة لها ليس مجرد إجراءات عابرة أو محددة بزمن ما، ولكنه صفة تلازم الكيان وتصبح جزءا منه.
عبر أربعة محاور ذكية كان الحوار الوطني يدير على مدى يومين واحدا من أكثر الموضوعات أهمية في الحياة السعودية، وهو: الإصلاح. ولطالما التبس هذا المفهوم مع غيره من المفاهيم ومثل مادة للمواجهة بين النخب بمختلف أطيافها، خاصة أن فترة ظهوره وبروزه إعلاميا ارتبطت بكثير من الأحداث العالمية وهو ما أوجد مبررا خاطئا بأن كل ما يقال عن الإصلاح ليس سوى نتيجة لضغط خارجي، كان ذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عندما ربط ازدهار التطرف في دول العالم الثالث بغياب الإصلاح. كيف يرتبط الإصلاح بالدولة؟ الدولة الحديثة التي تستوعب ذاتها، تؤمن للغاية بأن الإصلاح بالنسبة لها ليس مسألة اختيارية، لكنها أبرز عوامل الاستقرار والنهوض والازدهار، وكل الكيانات التي تعرضت لإخفاقات كبرى هي في الواقع تلك الكيانات التي غيبت مفهوم الإصلاح وتعاملت معه على أنه مجرد إجراء يبدأ وينتهي.
في التجربة السعودية، كان مجرد قيام دولة حديثة عبارة عن مشروع إصلاحي ضخم، تلك الدولة لا بد أن تدخل في مسار من التحولات والالتزامات التي ترسخ هوية الدولة وفكرتها وقيمها وتحافظ على مكانتها وسط محيطها العالمي الذي تتفاعل معه، وكل الكيانات التي أرادت أن تقدم نموذجا لدولة أيديولوجية إما أنها سقطت كما هو الحال في الاتحاد السوفيتي، أو أنها تعيش صراعا وحربا مستعرة مع العالم كما في التجربة الإيرانية الآن.
أدارت السعودية معادلة الإصلاح باقتدار واضح، والتاريخ السعودي يؤكد أن كثيرا من الإصلاحات والخطوات الإصلاحية إنما بدأت وانطلقت من الدولة، وفي ذات الوقت وجدت معارضة اجتماعية. ومع أن هذه الفكرة لديها ما يدعمها تاريخيا، إلا أنها تفتح القراءة لفكرة أخرى لا تقل أهمية عنها، فالدولة الحديثة تدرك أنها أمام حتميات من أبرزها: حتمية التنوع، بمعنى أن من شروط الدولة الحديثة أن تقوم على التنوع والتعدد وإلا فستتحول إلى فئة أو جماعة أو قبيلة، ذلك التنوع يجعلنا ندرك أن ما يقود الممانعة ضد الإصلاح ليس المجتمع، ولكنه جزء من المجتمع.
ماذا فعلت الدولة ولماذا لم تستجب لكل حركات الممانعة التي اعترضت كثيرا من المشروعات الإصلاحية والتطويرية؟ لأنها ببساطة تدرك أن الدولة الحديثة لا تحتكم لطيف واحد، ولأن الممانعة أضاعت لياقتها في ملاحقة قضايا غلب عليها الخوف والوجل والتقليدية أكثر من المنطق. ظهر ذلك في قضايا كان يفترض بأقل درجات الوعي أن تكون حاثة عليها وليست متخوفة منها.
المشروعات الإصلاحية التي تقودها الدولة الآن في التعليم والعمل والقضاء والإعلام والتنمية لا تعني أن الواقع السابق لتلك المؤسسات كان فاسدا، لكنه ببساطة كان ملائما لفترة ما، وأصبح عبئا على الواقع الحالي، ولذلك وجب إصلاحه.
أبرز المحاور التي طرحها لقاء الرياض، كان ذلك المتعلق بالدور المجتمعي في عملية الإصلاح، وهو ما يعيدنا إلى التساؤل: من المعني بعملية الإصلاح ومن الذي يتولى إدارتها؟ قد يكون في السؤال العام عن دور المجتمع نوع من التعميم غير المنطقي، نجد أننا أمام شريحتين فقط هما اللتان يمكن قراءة دور لهما في عملية الإصلاح:
أولا، النخب: وهي بمختلف تجلياتها تعمل في منطقة الأفكار.
ثانيا، الشارع: وهنا يأتي دور محوري نخطىء كثيرا في فهمه واستيعابه، فليس المـطلوب من الشارع أن يفكر بشكل جيد وواع ومنفتح، بل المطلوب من الشارع أن يتصرف بشكل جيد.
هكذا تعود المعادلة للدولة، ليكون أول شرط في عملية الإصلاح هو استيعاب الـدولة لذاتها على أنها دولة حديثة، وبالتالي يتركز الإصلاح أولا في حماية حقوق الناس، وفي حماية حـقهم في الاختيار، وفي استيعاب المراحل والتحولات، ذلك أن الثابت الوحيد في الدولة الحديثة هو التغيير.