-1-
لم يكن يعلم المفكر والسياسي والاقتصادي اللبناني جورج قرم أن الانفجار الحقيقي للمشرق العربي سيبدأ مع بداية عام 2011. ولم يكن في حسبانه مثل هذا الانفجار "البركاني" عندما كتب كتابه الأخير "انفجار المشرق العربي" عام 2006، وصدر أولاً بالفرنسية عن دار "جاليمار" الشهيرة، ثم صدرت ترجمته العربية عن "دار الفارابي"، في بيروت بدعم مالي خاص من وزارة الثقافة الفرنسية، ومن المركز الوطني للكتاب.
ومن المؤكد أن جورج قرم سوف يؤرخ من جديد لانفجار المشرق العربي "الجديد"، على ضوء الثورات "البركانية" التي تمت في عام 2011، عام الثورات العربية الكبرى، التي لم يشهد المشرق أو المغرب العربي مثيلاً لها على مر التاريخ، باستثناء الثورة الجزائرية الظافرة 1954 ضد الاحتلال الفرنسي، ونيل الاستقلال 1962.
-2-
في كتابه الضخم (انفجار المشرق العربي) (860 صفحة) يرصد قرم المشرق العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين (1956-2006) ويؤرخ له تأريخاً دقيقاً. فيتحدث عن البنية المستحيلة للشرق الأوسط. وكيف أن القوى العظمى والصغرى في الغرب قد تنازعت على استنفاد خيرات هذا الشرق بكافة الوسائل الممكنة والمتاحة، في العصور السابقة، والتي لم تعد متوفرة الآن.
ثم ينتقل قرم في كتابه، إلى البحث في اختيار الهوية العربية كمادة تاريخية. ويبدأ في استعراض "الغليان الثوري" في بداية النصف الثاني من القرن العشرين. ويتحدث عن تاريخ المنطقة العربية من "الغليان الثوري إلى الفورة النفطية" 1956- 1975؛ أي من "حرب السويس" والنصر السياسي لا العسكري، الذي ظفر به عبد الناصر بواسطة الإعلام المصري الكثيف والقوي آنذاك، إلى الطفرة النفطية التي حدثت بعد حرب 1973، وبفضلها، وتداعياتها. ولكن قبل ذلك، يتحدث قرم عن الفترة الواقعة بين "حرب السويس" 1956، ورحيل عبد الناصر 1970. ويتوسع في شرح دقائق هذه المرحلة المهمة من تاريخ العرب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين. والمهم في هذا الفصل، تحليل قرم للخطاب الناصري الذي – كما يقول – شوّه "الإدراك الثقافي للواقع". فيقول قرم:
"كان عبد الناصر – خلافاً للسادات الذي كان أكثر إحساساً بالقيم التقليدية للهرم الاجتماعي في الأرياف المصرية – يجسِّد وقاحة أهل القاهرة الفقراء، الذين ما كانوا يُطيقون هوان الفقر والعزلة الثقافية." ويقول قرم إن عهد عبد الناصر الفاشي، كان – في نظر القوى الاجتماعية المحافظة في العالم العربي – عهداً غوغائياً مدمراً، حيث إن الصدام الناصري مع الغرب كان ضرباً من التهور، ولا فائدة تُرتَجى من اشتراكية الفقر والفقراء. وانتهى قرم إلى الحكم على عهد عبد الناصر وخطابه السياسي، بأنه كان عهداً استعراضياً صرفاً، كان فيه عبد الناصر يلبي نداءات الجماهير الشعبوية، فيما تريد وترغب، لا فيما تحتاجه حقيقةً. ولم يكن يستمع إلى مفكري الشعب ومثقفيه، بقدر ما كان يأخذ بنداءات الغوغاء المتفجرة. ويخلص قرم إلى أن "الناصرية"، كانت على هذا النحو، لأنها "لم تكن مذهباً سياسياً، ولا فلسفة اجتماعية. بل كانت – بكل بساطة - طريقة في التعبير، تتيح لذلك القيصر الشاب الغرّ أن يفكر بصوت عالٍ، وبلغة شديدة البساطة أمام الحشود." (ص 198). ولهذا يقرر قرم أن الخطاب الناصري لا يصلح للفكر السياسي، ويثبت ذلك قرم بقوله إن الناصرية لم يُقيّض لها البقاء بعد رحيل عبد الناصر، وخاصة خارج بعض الأحزاب التي نسبت ذاتها إليها. فالخيارات الفلسفية للخطاب الناصري أكثر هشاشة من أن تؤلف هيكلاً عقائدياً. ويقول قرم إن دراسة صدرت عام 1979 - كرسالة دكتوراه في جامعة السوربون- كتبتها مارلين أبو شديد بعنوان "إيديولوجيا القومية العربية في خطاب عبد الناصر" بيَّنت فيها أن خطاب عبد الناصر فيما يتعلق بالدين والأمة ينمُّ عن فكرة عَلْمانية، خلافاً للفكرة الرائجة التي تصوِّر عبد الناصر بصورة فاتح إسلامي فاشل، فضلاً عن أنه كان مسيَّراً من قبل السوفييت! ويؤكد قرم أن عبد الناصر كان ينتمي إلى الغرب أكثر من انتمائه إلى الشرق. وكان غيابه نهاية لعصر، لا نهاية لمأساة، حيث تغيَّر بسرعة وجه الشرق، وبقيت مأساة الشرق على حالها، وحتى الآن.
-3-
وفي هذا الكتاب، يستعرض جورج قرم أهم قضية شغلت بال العرب، وهي القضية الفلسطينية، التي كانت الكرة السياسية التي ظل العرب واليهود والعالم معهم يتقاذفونها طيلة أكثر من ستين عاما، ويلعبون بها دون أن يُحرز أي طرف فوزاً نهائياً. وما زال العالم حتى الآن يتمتع ويتلذذ بمشاهدة هذه المباراة السياسية التي أصبحت مملة. ففي الفصل الثاني عشر من هذا الكتاب، يتحدث قرم عن اللدغة الإسرائيلية من المؤتمر الصهيوني الأول إلى اتفاقية كامب ديفيد 1867- 1978. ويشرح العلاقة بين "الكاوبوي" الإسرائيلي و"الهندي الأحمر" (الفلسطيني)، وهي علاقة محكومة بالتناقض. ويعتبر أن معاهدة كامب ديفيد، كانت معاهدة غير متكافئة بين طرفين غير متكافئين. وكيف أن العرب عادوا بعد هذه المعاهدة إلى الرفض، والممانعة، والانشقاق. فظهرت من جرَّاء هذه المعاهدة مجموعة "دول الرفض"، ومجموعة "دول المصالحة". وتأرجح الشعب الفلسطيني بين هذين الفريقين. وبدت منطقة الشرق الأوسط "وكأنها رهينة قدر محتوم. فها هو المشرق الذي تخلَّت عنه في مطلع هذا القرن الإمبراطوريات الكبرى التي ضفرت له إكليل مجده، وأمَّنت له الحماية من صخب شعوبه، يفقد رونقه، ويتفتت على إيقاع الهزات السياسية والاقتصادية، التي تجتاحه بِسُمِّ اللدغة الإسرائيلية التي تُفتّت كيانه." (ص 359).
فماذا يعني السلام المنشود مع إسرائيل؟
إن السلام المنشود، هو "سلام الشجعان" الذي شرحه المفكر التونسي العفيف الأخضر بالخطوات التالية:
1- عدم تحويل الضمانات الأمنية المعقولة إلى هوس أمني "بارانوي" ليس له ما يبرره موضوعياً.
2- عدم الإبقاء على المستوطنات التي زُرعت لمنع قيام الدولة الفلسطينية، بإفقادها التواصل الجغرافي.
3- ممارسة الدولة العبرية لنقدها الذاتي بصدد مأساة اللاجئين، وبتبنيها لخلاصات المؤرخين اليهود الجدد، لكي تُسهِّل نفسياً التفكير في الحلول البديلة للعودة.
4- الاعتراف بآلام الشعب الفلسطيني على يد الشعب اليهودي، الذي لم يتألم أكثر منه في التاريخ، وتعويض هذه الآلام مادياً ورمزياً.
ويظل كتاب جورج قرم (انفجار المشرق العربي) حافلاً بأحداث النصف الثاني من القرن العشرين الضخمة والمصيرية نتيجة للاستقلال، ورحيل الاستعمار العسكري، وظهور السلطة الوطنية العربية التي كانت عبارة عن دكتاتوريات قروسطية في معظمها، أدَّت إلى هذه الثورات، التي شهدها عام 2011.