قد يقال إن الاختلاف صحة والاتفاق مرض، فهل نتفق مع هذا الطرح؟ يعتمد الإبداع والتميز لأي فرد أو دولة على عدة معطيات، أهمها تعدد الأفكار واختلافها والشجاعة في إبداء الأراء والاختلاف في وجهات النظر وتقبلها، مع عدم إقصاء أي فرد لأنه يقدم فكراً أو وجهة نظر مختلفة أو نقداً، معطيات تمثل متطلبات النجاح للأمم والأفراد، وهذا ما قامت عليه الأمة الإسلامية منذ عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى عصرنا هذا.
مع تشجيع الاختلاف، ينبغي التأكيد على أن لكل أمة وحضارة قيما ومبادئ يجب احترامها من الجميع، أفراداً ومجتمعات، قيما ومبادئ يجب أن تنعكس في جميع مناحي الحياة، وهذا ما قامت عليه الدول الحديثة المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها، دول أسست أنظمتها التعليمية والثقافية والقانونية وغيرها على قيم ومبادئ تخص مجتمعاتهم، والسعودية ليست استثناءً.
قامت السعودية منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله على ثوابت وقيم لا تقبل الجدال أو الاختلاف، ثوابت وقيم تعتمد على الإسلام، ثوابت وقيم ينبغي احترامها وعدم المساس بها، ولأنها أساس للدولة والوطن فإنها تمثل خطوطا حمراء، وما عداها فهي مسائل قابلة للاختلاف والنقاش. في المملكة، مثل أي دولة أخرى، لدينا عوامل ومقومات نجاح ينبغي الوقوف عندها وتذكرها بين حين وآخر، عوامل تبدأ بتبني وتأسيس الدولة على الإسلام، وجود مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقيادة بدأت منذ عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله مع استمرار التحالف والتوافق والولاء بين القيادة والشعب، وتوفر موارد طبيعية تشمل النفط والغاز والمعدن، إضافة إلى موارد بشرية تنتظر الاستثمارالأمثل فيها.
في ظل احترام وتقبل القيم والمبادئ الأساسية في المملكة، تصبح الاختلافات والنقاشات في كافة المناحي والأنشطة والأعمال مقبولة، بل ومرغوبة، مما يتطلب عدم رفض أية أفكار جديدة أو أفكارمختلفة أو نقد، كما يتطلب منا عدم إقصاء أي فرد لديه وجهات نظر مختلفة، فالاختلاف في مناهج التعليم أو طرق التدريس أو النشاطات الاقتصادية أو تقنين القضاء أو إدارة المرورأو إدارة البنية والخدمات التحتية أو الثقافة أو محاربة الفساد أو برامج الإصلاح أو التربية الرياضية في مدارس البنات أو ممارسة الفتيات للمحاماة وغيرها يجب أن يكون مقبولاً، على أن التعاطي في كل هذه الأمور يظل في منظومة التقيد بالأسس والثوابت.
عندما يتم تناول الأفكار المختلفة حول مناهج التعليم، ينبغي عدم إلقاء التهم على البعض وربما إقصاؤهم لأنهم يرون التركيز أكثر على المهارات الأساسية في التعليم وليس على المعارف كما هو الحال في مناهج التعليم الحالية، فبدونهم وبدون هذه الأفكار المختلفة لا يمكن التطور والرقي ولا الإبداع، وهذه قوانين الطبيعة، لنفكر حتى نتطور، لنختلف حتى نبدع، لنناقش حتى نفهم. وإذا أخذنا جانب التعليم، فهناك هيكلية المناهج ونسب توزيعها بين المهارات الأساسية والمعارف، وهناك محتوى المناهج الذي ينبغي أن يعتمد على عمل مؤسساتي وليس على أفراد أو وجهات نظر شخصية، وخصوصاً في جانب ما يخص قيم ومبادئ المجتمع، لهذا ما زلنا ننادي بتواجد شراكات استراتيجية بين وزارة التربية والتعليم وإدارة المناهج ومؤسسات حكومية وخاصة متخصصة مثل هيئة كبارالعلماء ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ووزارة التعليم العالي ومؤسساته وغيرها. وإذا أخذنا نشاط التربية البدنية والرأي القائل بضرورة ممارسة الفتيات للنشاط الرياضي، وهو حق مشروع للفتاة مثلها مثل الفتى، قد يساء فهم مثل هذا الطرح ويتم الاختلاف معه وإقصاء القائلين به. ويصبح الوضع أصعب تقبلاً من المجتمع وأصعب فهماً في ظل ارتفاع نسب وأعداد السمنة والسكري بين طلبة وطالبات المدارس السعودية. وينطبق نفس الحديث على محاور وأركان العملية التعليمية الأخرى من معلمين ومعلمات وبيئة تعليمية وطلبة وطالبات وتربية صحية وغيرها.
أما حقوق المرأة، فهي تحمل تفسيرات ومواقف مختلفة، ولكنها لا تخلو من سياسة الإقصاء والاتهامات. فعندما تتم المطالبة بحقوق المرأة ـ والطفل كذلك ـ فهذا لايتعارض مع قيم ومبادئ المجتمع، بل إنها تعيد تأكيد وتأصيل قيم ومبادئ المجتمع القائمة على الإسلام وليست على العادات والتقاليد، فحق المرأة في التملك حق مشروع يجب وضع الآليات من تعريف وحماية لضمان تطبيقه وضمان عدم إساءة استخدامه من قبل الرجل، وحق المرأة في الحصول على وظيفة نوعية ومناسبة تراعي خصوصة المرأة السعودية وقيمها المستمدة من الإسلام، وحق المرأة في ممارسة المحاماة، وتمثيل نفسها أمام الجهات الحكومية، وغيرها من الحقوق الشرعية الطبيعية، دون إخلال أو مساس بالثوابت.
أما حق النقد أمام الجهات الحكومية فينبغي الوقوف عنده ومراجعته لعدة أساب، أهمها تنامي حساسية بعض الأفراد من الجهات الحكومية لتقبل نقد أعمال ونتائج جهاتهم الحكومية، وكأن النقد موجه لأشخاصهم أو أنهم يتعاملون مع جهات عملهم بشكل شخصي (ممتلكات شخصية). ومن الأسباب الأخرى لمشكلة الأزمة بين الجهات الحكومية والنقد الخارجي، سوء فهم بعض المسؤولين في هذه الجهات الحكومية، فهم يريدون أن يكونوا مسؤولي – الوجاهة والمزايا – ولكنهم لا يريدون أن يساءلوا أو يحاسبوا، معادلة مقلوبة لديهم، فالمسؤولية تأتي معها المساءلة، والمجتمع من خلال النقد والمطالبة بالشفافية يمثل إحدى أدوات المساءلة.
كما أننا نطالب الأفراد بتقبل واحترام وجهات النظر المختلفة وعدم إقصاء الآخرين، فإننا أيضاً نتمنى أن نحترم ونتقبل ونفعل النقد الموجه للجهات الحكومية من قبل الوسائل الإعلامية والجهات الرقابية على حد سواء، مع عدم تهميش أو إضعاف الحق في النقد للجهات الحكومية.
إذا ما قارنا ما يطرح في الإعلام من قضايا اختلافية بين أفراد وفئات المجتمع، فإننا نلاحظ أن ما يصب في قضايا تخص التنمية والاستثمار في المواطن من تعليم وبنية تحتية وعمل واقتصاد وغيرها لا تمثل إلا جزءاً بسيطاً مما يتم تناوله في قضايا أخرى لا تمت بأي صلة مباشرة بقضايا التنمية الحقيقية للمواطن، مما يتطلب من الوسائل الإعلامية إعادة النظر في تحديد أولويات الطرح حسب أهميتها للوطن وتنميته.
حتى تبدع وتتطور وترتقي وتزدهر كفرد أو كشركة أو كدولة أو كأمة؛ ينبغي تشجيع مفاهيم النقد والشفافية والعدالة للأفراد والمجتمعات في إطار قيم ومسلمات المجتمع الذي يعيشون فيه.