من تونس إلى مصر، ها هم الإخوان المسلمون يخوضون أول تجربة تضعهم في مقدمة الصف السياسي. قيادات جديدة تخرج لأول مرة من حيز المضطهد السياسي إلى حيز المنتصر والمؤثر، نجوم صناديق الاقتراع وأول من تظهر أسماؤهم في توقعات النتائج الانتخابية، بل والمحتشدون في سياق مرحلة جديدة، تؤكد كل المؤشرات أنها ستكون التحديد الفعلي لمستقبل الإخوان ودورهم.

لماذا يتقدم الإخوان بهذه الكثافة؟ السنوات التي قضاها الإخوان في العمل السياسي ركزت لديهم صورة واحدة في أذهان الشارع، وهي صورة المضطهد والمظلوم والمستبعد قسرا من العمل السياسي إلى الدرجة التي أصبح فيها "الإخوان" نجوم الغياب، وضحايا الاستبداد القائم، وهي صورة تمنح المزيد من التعاطف والدعم، مع وجود فوارق واضحة بين التجربة التونسية والتجربة المصرية.

في مصر، ظل الإخوان المسلمون أقرب إلى الشارع من الدولة، فقد اتجهوا للاستفادة من التضييق المفروض عليهم في العمل السياسي لينشطوا في العمل الاجتماعي، وهو ما أوجد قاعدة اجتماعية عريضة في الوقت الذي كانت مؤسسات الدولة تشهد تراجعا واضحا في علاقتها مع الناس، ومع نجاح الثورة المصرية أسس الإخوان أول حزب سياسي في مسيرتهم، كانوا منتبهين للغاية لكثير من التحولات والظروف العالمية المحيطة بهم وتجلى ذلك الانتباه في اختيار اسم الحزب، وفي استعدادهم الواضح للدخول في تحالفات متنوعة كان من أبرز أهدافها تقديم صورة مطمئنة للعالم وللمجلس العسكري الذي شهدت علاقة الناس به انتكاسة واسعة في الأسابيع التي سبقت الانتخابات. والتي أكدت للجيش بأنه لا خيار أمامه سوى تسليم البلاد لحكومة مدنية سوف تتشكل انطلاقا من صندوق الاقتراع، وأنه لن يتمكن من لعب أي دور سياسي خلف الكواليس.

هذا المناخ لا يعني ربيعا مستمرا للإخوان المسلمين في مصر، فقد شهدت أروقة الجماعة كثيرا من الخلافات التي بدأت مع انطلاق ثورة الخامس والعشرين من يناير فقد تباطأت الجماعة كثيرا في المشاركة في المظاهرات وفي اعتصام ميدان التحرير، لكن مجموعة من شباب الإخوان لم ينتظروا رأي الجماعة أصلا، فأوجدوا لأنفسهم مواقع في الميدان، وحصدت الجماعة كثيرا من الانتقادات من جيل الشباب، فلم تلبث شخصيات مؤثرة في الجماعة أن نزلت إلى الميدان، وسط حرص على تقنية الشعارات من أي بعد أيديولوجي فكانت شعارات الإخوان تدور فقط حول التغيير والحرية والعدالة والحقوق.

ارتكب "الإخوان" بعض الأخطاء في التحرير، ومثلت جمعة النصر 18 فبراير خاصة حين تم منع وائل غنيم من اعتلاء منصة الميدان، وهو الأمر الذي سارعت قيادات "الإخوان" إلى نفيه، وسارعت كذلك إلى التخفيف من وطأة أخطائها السابقة مستفيدة من تصريحات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بإمكانية التعاون مع الإخوان المسلمين في حال تقدموا في الانتخابات المصرية.

إذن، نحن نتحدث عن قوة وكيان سياسي قادر على تغيير أدواته وبالتالي تغيير صورته في الشارع، وحتى تلك الأخطاء التي حدثت لم تكن لتؤثر كثيرا في نظرة الشارع للإخوان وللتعاطف معهم، خاصة بالنظر إلى الواقع الثقافي والاجتماعي للشارع المصري الذي يميل في معظم فئاته وشرائحه إلى التدين، واتساع دائرة الفقر التي تسهم في تحديد ملامح الوعي وجعله أقرب غالبا إلى منح الثقة للتيارات الدينية.

الآن لدى "الإخوان" استحقاقات تحيط بهم من كل جانب، أول وأبرز هذه الاستحقاقات أن تكون الجماعة على مستوى التحولات الجديدة التي يشهدها الشارع المصري والعربي، فالجماعة تنطلق من سلطة وقيمة الفرد لا من خلال ذاته وإنما من خلال انتمائه، وهي قيمة لم تعد تحظى بمكان واسع في زمن الثورات الذي ترسخت فيه قيمة الفرد كعامل مؤثر وحيوي في عملية التغيير، لتصبح البنية التنظيمية والسياسية للإخوان بحاجة إلى إعادة نظر، قد لا يكون من أقلها التخلي عن فكرة وسيطرة ووجود (مرشد أعلى) إضافة إلى أن حاجة الجماعة لإدخال كوادر جديدة شابة تعكس الواقع المتجدد للشباب في الشارع المصري.

"الإخوان المسلمون" بحاجة إلى ما يمكن تسميته بتغيير السلوك السياسي خاصة وأنهم يمثلون بشكل أو بآخر جانبا من القوى التقليدية التي ظلت في مواجهة مع النظام السابق دون أن تتقدم في مشروعها بأي رؤية تغيير حقيقية، إلا أن نجاح الثورة السريع والخوف الذي برز مؤخرا من المجلس العسكري لم يمكنا بقية القوى في مصر من إيجاد كيان سياسي قوي ينافس الإخوان في حضورهم، ويحظى بذات تأثيرهم في الحياة المصرية، ولأن ذلك لا يعني طمأنينة مستمرة للجماعة يصبح من واجبها العمل على التخلص من مختلف صيغها وأنظمتها وخطاباته القديمة، والتخلي عن الصفقات السياسية الجانبية وعن اللغة التي تنطلق فيها من وازع شرعي وصفة دينية.

يستفيد الإخوان الآن من صعود تيارات الإسلام المعتدل، وبات النموذج التركي يمثل المرجع الأبرز لتلك التيارات، مما يعني أن على الإخوان أيضا أن يثبتوا انتماءهم لهذا الوعي الجديد وأن يدرك أن توصيف (المرشد الأعلى) مثلا، لم يعد قائما إلا في التجربة الإيرانية التي أفرزت مزيدا من السخط الداخلي والعداء الخارجي.