التنمية المستدامة Sustainable Development لا يمكن أن تقوم لها قائمة ما لم ترتكز على مفهوم ومبدأ البيئة المستدامة Sustainable environment ، والبيئة المستدامة تعني في أبسط معانيها الدفاع والمحافظة على حقوق الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية المتاحة في أي نظام بيئي، فعلى سبيل المثال إذا دعتك الظروف كمستثمر أن تقطع شجرة فعليك قبل أن تقطع هذه الشجرة أن تغرس بادرتين من نفس نوع هذه الشجرة، وبذلك تكون قد حافظت على حقوق أبنائك وأحفادك في استثمار هذا النوع من الأشجار في المستقبل.

الشجرة على أية حال تمثل نظاما بيئياً متكاملا، فهي تمثل الموطن لعشرات الأنواع من الحيوانات والحشرات والطيور، لذا قطع الشجرة في المنظور القريب يمثل هدما وتدميرا لموطن هذه الحيوانات. والمبالغة والإفراط في قطع الأشجار قد يتسبب في انقراض العديد من أنواع الحيوانات، كما حدث في غابات الأمازون. ومن أهم الأخطار التي تواجه الحياة الفطرية في المملكة العربية السعودية الإفراط في الاحتطاب في جميع نظمنا البيئية من أعلى قمم جبال عسير حتى هضبة نجد وسهول تهامة. حلقة الوصل بين مبدأ التنمية المستدامة ومبدأ البيئة المستدامة هو ما يعرف باسم دراسة التقييم البيئيEnvironmental Assessment, وفي أغلب الأحيان لا يكون المستثمر ملما بإيجابيات وسلبيات مشروعه الاستثماري لعدم إدراكه بكل من مبدأ التنمية المستدامة والبيئة المستدامة، وهنا يأتي دور رجل البيئة الذي يقوم بإعداد دراسة تقييم بيئي لهذا المشروع. وهذه الدراسة في جوهرها حماية لكل من المستثمر والبيئة، وعادة ما تتمخض نتائجها عن أحد الأمور الثلاثة الآتية: رفض المشروع التنموي لخطره على البيئة وعلى الناس، وهذا الحكم نافذ وغير قابل للاستئناف، فمثلا لو أراد مستثمر أن ينشئ مشروعا للكيماويات وسط منطقة سكنية أو يقيم محطة معالجة لمياه الصرف وسط منطقة سكنية، مثل هذين المشروعين لا يمكن لأي دراسة تقويم بيئي أن تجيز إقامتهما!!! الحكم الثاني: هو قبول المشروع دون تحفظ لعدم وجود انعكاسات سلبية له على البيئة. الحكم الثالث: هو إجازة المشروع مع إضافة تحسينات Mitigations ، ونقصد بالتحسينات وقف تجاوزات أي مشروع على النظم البيئية. فعلى سبيل المثال عادة ما يكون هناك اعتداء من قبل المشاريع السياحية على حرم السواحل البحرية، والمقصود بحرم السواحل البحرية المنطقة الفاصلة بين السواحل البحرية واليابسة، وتقدر دوليا بحوالي عرض 500 متر عن أعلى نقطة للمد البحري العالي Spring Tide، هذا المبدأ تقيدت به جميع دول العالم ما عدا دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. وهذه المنطقة العازلة بين البحر والأرض تتجمع فيها خصائص كل من النظم البيئية البحرية والأرضية. وعلى سواحل البحر الأحمر لم نعتد فقط على حرم البحر بل الاعتداء كان صارخا على البحر نفسه فأنشأنا الطرق داخل البحر (الكورنيش) وأنشأنا المرافق الساحلية. ومثل هذه التجاوزات البيئية تنم عن جهل بيئي.

مثل هذه الأفعال غير المسؤولة كانت السبب وراء تدمير أجمل التكوينات المرجانية التي خلقها الله على كوكبنا الأزرق، فأضحت الآن هذه التكوينات أثرا بعد عين. كارثة جدة الأولى والثانية لم تكن بسبب الأمطار الغزيرة كما يدعي البعض إنما هي نتيجة حصاد تخبط بيئي، فالعقوم والسدود الترابية التي أقيمت على مجاري السيول عاقت مياه هذه الأودية من الوصول إلى محطتها النهائية فأصبحت تتخبط ذات اليمين وذات اليسار حتى تجمعت في مجارٍ قادتها وأجبرتها على اجتياح المناطق السكنية. وما أردت أن أقوله هو أننا اليوم في أشد الحاجة إلى أن تكون لنا منهجية واضحة عند تنفيذ أي مشروع تنموي. ترتكز هذه المنهجية على دراسة احترافية للتقييم البيئي تجنبنا الوقوع في أخطائنا السابقة. وكم أتمنى من الله ألا يكون إنشاء مشاريع تصريف السيول سببا آخر في الاعتداء على حرمة نظمنا البيئية البحرية. وهذا الموضوع يطول شرحه، ولكن واجبي كرجل بيئي أن أطرحه على مائدة النقاش، لتوضيح جوانبه السلبية بما يكفل المحافظة على نظمنا البيئية البحرية وعلى رأسها النظام البيئي للتكوينات المرجانية التي لم يخلق مثلها في البحار والمحيطات الأخرى، وهذا ما سيكون موضوع المقال القادم إن شاء الله.